فهرس الكتاب

الصفحة 1365 من 2668

وإذا كان الجَزَاءُ على الحَسَنَاتِ العَادِيَّةِ الحسنة بعشر أمثالها، فما بالك بالصَّوم الذي تَوَلَّى اللهُ سبحانه وتعالى بنفسه الجَزَاءَ عَلَيْهِ؟ فإنَّه يجزي عليه بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قال الزَّرقاني قوله:"وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"أيْ بِلا عَدَدٍ ولا حِسَابٍ، كقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: فَضَائلُ الصَّومِ ومزاياه فمن فضائله إصلاح الغريزة، وترويضها على الوقوف عند حدود الشرع والعقل، والالتزام بمنهج الدين، وتقوية الإِرادة، وسد مداخل الشَّيْطان، مِمَّا يؤدي إلى تحقيق السَّعَادَةِ النَّفْسِيَّةِ فِي الدُّنْيَا والنَّجَاةِ من النَّارِ فِي الآخِرَةِ كما فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ» (2) ."أَيْ وِقَايَةٌ وَسُتْرَةٌ، قِيلَ مِنَ الْمَعَاصِي لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُضْعِفُهَا، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا، وَقَدْ زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: مِنَ النَّارِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:"جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ"، وَلِلنِّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي:"جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ"، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ:"جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ"، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ:"جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ"، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ:"الصِّيَامُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا"، زَادَ الدَّارِمِيُّ:"بِالْغِيبَةِ"، وَالتَّفْسِيرَانِ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا كَانَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَفِي الْإِكْمَالِ: مَعْنَاهُ يَسْتُرُ مِنَ الْآثَامِ أَوْ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ الصِّيَامِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ لِكَوْنِهِ جُنَّةً مِنَ النَّارِ فَضْلًا (3) ."

ثانيًا: أنَّ للعبادات رَوَائِحَ زَكِيَّةً يَخْتَلِفُ بعضها عن بعض يوم القيامة فَرِيحُ الصِّيَامِ بين العبادات كالمِسْكِ، وطِيبُ فَمِ الصَّائِم ِكَرَائِحَةِ المِسْكِ الذي هو أجْمَلُ الطِّيبِ.

ثالثًا: أنَّ الصِّيام الذي تُضَاعَفْ له الحَسَنَاتِ هو الذي يجمع بين الكَفِّ عن الطَّعَامِ والشَّرابِ والمُحَرَّماتِ. قال ابن قدامة المقدسي:"للصَّوْمِ ثلاث مراتب؛ صوم العموم: وهو كف البطن والفَرْج عن قضاءِ الشَّهْوَةِ. وصوم الخصوص: وهو كَفِّ النَّظَر واللسان والجوارح من اليد والرِّجل والسَّمْع والبصر عن الآثام. وصوم خصوص الخصوص: وهو صَوْمُ القَلْبِ عَمَّا سِوَى اللهُ" (4) .

والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ دَلِيلًا عليها.

(1) قال فِي"عمدة القاري":"وَقَالَ: صَامَ النَّهَار وهجرا يَعْنِي: قَامَ قَائِم الظهيرة، وَقَالَ أَبُو عبيد: كُلُّ مُمْسِكٍ عَن طَعَامٍ أَو كَلَامٍ أَوْ سَيْرٍ: صَائِمٌ. وَالصَّوْم: ركود الرّيح. وَالصَّوْم: الْبيعَة. وَالصَّوْم: ذرق الْحمام وسلخ النعامة. وَالصَّوْم: اسْم شجر. وَفِي (الْمُحِيط) : صَامَ صومًا وصيامًا واصطام، وَرجل صَائِم وَصَوْم، وَقوم صوام وَصِيَام وَصَوْم وصيم وصيم. عَن سِيبَوَيْهٍ كسروا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت