فهرس الكتاب

الصفحة 1360 من 2668

فَقَالَ:"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَنْزِلِ الدَّجَّالِ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ هَذَا مَنْزِلُهُ" (1) ؛ وَيَقَعُ مُجْتَمَعُ السُّيُولِ هذا فِي الشَّمَالِ الغَرْبِيِّ مِنَ الْمَدِينَةِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: على أَنَّ المَدِينَةَ مَحْرُوسَةٌ مَحْفُوظَةٌ من الدَّجَّالِ والطَّاعُون معًا لهذا الحديث، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما فِي حديث أبِي بَكْرَةَ"لاَ يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ"؛ فإذا كانت فِي مَأْمَنٍ من إرهابه والخوف منه، فَهِيَ فِي مَأْمَنٍ من دخوله من بَابِ أَوْلَى، لأَنَّ المَلاَئِكَةَ يقفون على مَدَاخِلِهَا يَمْنَعُونَهَا عَنْهُ، وَيَحْرُسُونَهَا مِنْهُ كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَلَى أَنْقَابِ (2) المَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ". ومعنى ذلك أَنَّ حُدُودَ المَدِينَةِ كلها مُحَاطَةٌ بِسُوْرٍ مَنِيعٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فلا يَتَجَاوَزهَا الدَّجَّالُ. ولِهَذَا جَاءَ فِي الأَخْبَارِ الصَّحِيْحَةِ أنَّهُ يَنْزِل فِي السَّبْخَةِ التي تَجْتَمِعُ بِهَا السُّيُولُ فِي الشَّمَالِ الغَرْبِيِّ من المَدِينَةِ، فإذا وصل إلى هناك وقع زِلْزَالٌ بِالمَدِينَةِ، وخَرَجَ إليه المُنَافِقُونَ منها، كما فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ قَالَ:"ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.

ثانيًا: أَنَّ المَدِينَةَ مَحْمِيَّةٌ مِنَ الطَّاعُونِ، وَلَمْ يُنْقَل فِي التَّارِيخِ قَطُّ أنَّهُ دَخَلَ المَدِينَةَ أَصْلًا. قال السمهودي:"وقد امتنع الطاعون عن المَدِينَةِ هذه الدُّهُورِ الطويلة مع أنَّهُ يقع بالحجاز، ودخل جدة وينبع والفرع والصَّفْراء والخبت وغير ذلك من الأماكن القريبة من المَدِينَةِ، وَلَمْ يدخلها كما شاهدنا ذلك فِي طاعون سنة إحدى وثمانين وثَمَانِمَائة فَإِنَّهُ عَمَّ أكثر الأماكن القريبة من المَدِينَةِ وكثر بجدة؛ وهي محفوظة منه أَتَمَّ الحفظ"اهـ.

وقَالَ الحافظ:"فَكَانَ مَنْعُ دُخُولِ الطَّاعُونِ الْمَدِينَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَدِينَةِ وَلَوَازِمِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِالصِّحَّةِ وَقَالَ آخَرُ هَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِأَنَّ الْأَطِبَّاءَ مِنْ أَوَّلِهِمُ إِلَى آخِرِهِمْ عَجَزُوا أَنْ يَدْفَعُوا الطَّاعُونَ عَنْ بَلَدٍ بَلْ عَنْ قَرْيَةٍ وَقَدِ امْتَنَعَ الطَّاعُونُ عَنِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ"اهـ (3) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلاَ الدَّجَّالُ".

(1) قال في"مجمع الزوائد": رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ أَبُو مَعْشَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

(2) قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي"الاستذكار":"الْأَنْقَابُ: الطُّرُقُ وَالْفِجَاجُ وَالْوَاحِدُ مِنْهَا نَقْبٌ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجل: (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) أَيْ جَعَلُوا فِيهَا طُرُقًا وَمَسَالِكَ"اهـ.

(3) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ) ج 10 ص 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت