ثانيًا: التَّحْذِيرُ مِنْ تَرْكِ الْمَدِينَةِ والانتقال إلى غيرها لمجرد هوى النَّفْسِ وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهَا زُهْدًَا فِيهَا فَإِنَّهُ يَخْسَرُ الحياة الطيبة التي كان - يعيشها ولا يجد مثلها فِي البلاد التي انتقل إليها لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ". أمّا الْمَدِينَةُ فَسَيُبْدِلُهَا اللهُ خَيْرًَا مِنْهُ كما فِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا مُسْلِم:"لاَ يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ"؛ فإذا كان الخروج لِغَرَضٍ دِينِيٍّ أوْ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّهُ غَيْرَ مَذْمُومٍ لأَنَّ أصْحَابَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الأَمْصَار.
ومطابقته للتَّرْجَمَة: مِنْ حَيْثُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد بعد الفتوحات وَرَغبُوا عَن الْإِقَامَة فِي الْمَدِينَةِ، وَلَوْ صَبَرُوا على الْإِقَامَةِ فِيهَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ، والتَّرْجَمَةُ فِيمَنْ رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَة، وَهَؤُلَاء رَغِبُوا عَنْهَا، واخْتَارُوا غَيرهَا؛ كما أفاده العيني.
(1) قال فِي"التمهيد لما فِي الموطأ":"وَأَمَّا قَوْلُهُ"يُبِسُّونَ"فَمَنْ رَوَاهُ:"يُبِسُّونَ"بِرَفْعِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ أَبَسَّ يَبُسُّ عَلَى الرُّبَاعِيِّ؛ فَقَالَ مَعْنَاهُ: يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْبَلَدَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيُحَبِّبُونَهُ إِلَيْهِمْ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَدِينَةِ. قَالُوا: وَالْإِبْسَاسُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِبْسَاسِ الْحَلُوبَةِ عِنْدَ حِلَابِهَا كَيْ تَدِرَّ بِاللَّبَنِ؛ وَهُوَ أَنْ تُجْرِيَ يَدَكَ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّكَ تُزَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَهَا وَتُحَسِّنُهُ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ يَبِسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ رِوَايَتُهُ وَفَسَّرَهُ يَسِيرُونَ قَالَ مِنْ قَوْلِهِ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا يَعْنِي سَارَتْ وَيُقَالُ سَالَتْ وَذَكَرَ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ تَفْسِيرِ ابْنِ بُكَيْرٍ".