فِي الزَّكَاة وَالْحج والبيوع وَالْبر، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ فِي اللبَاس. وَرَوَى عَنه: عَمْرو بن يَحْيَى الْمَازِني، وَأَبُو بكر بْن عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبد اللَّهِ بْن عُمَر بْن الخطاب، وَعُثْمَان بن حَكِيم الأَنْصَاريّ، وَابن أخيه مُعَاوِيَة بن أبي مُزَرِّد فِي الزَّكَاة وَالْبر، وَسَعِيد المَقْبُري فِي الزَّكَاة، وَيَحْيَى بْن سَعِيد الأَنْصَاريّ، وأبو طوالة، ومحمد بْن إِسْحَاق بْن يسار، ومحمد بْن عَبد الله بْن أبي صعصعة، ومحمد بْن عجلان، ومحمد بْن عَمْرو بْن عطاء. عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وأبو زُرْعَة، والنَّسَائِيّ:"ثِقَةٌ". مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَرَنِي اللهُ تَعَالَى أَنْ أَسْكُنَ مَدِينَةً عَظِيمَةً تَفْتَحُ كُلَّ بِلادِ الدُّنْيَا شَرْقًَا وغَرْبًَا، وتَبْسُطُ عَلَيْهَا سُلْطَانَهَا. قَالَ الحَافِظُ فِي"الفتح": (عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَوْلُه: ُ"أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ"أَيْ أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا أَوْ سُكْنَاهَا. فَالْأَوَّلُ: مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِمَكَّةَ. وَالثَّانِي: عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِالْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ:"تَأْكُلُ الْقُرَى"أَيْ تَغْلِبُهُمْ وَكَنَّى بِالْأَكْلِ عَنِ الْغَلَبَةِ لِأَنَّ الْآكِلَ غَالِبٌ عَلَى الْمَأْكُول. وَوَقع فِي موطأ بن وَهْبٍ:"قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى؟ قَالَ: تفتح الْقرى. وَبسطه بن بَطَّالٍ فَقَالَ:"مَعْنَاهُ يَفْتَحُ أَهْلُهَا الْقُرَى فَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَسْبُونَ ذَرَارِيَّهُم. ْ قَالَ: وَهَذَا مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلْنَا بَلَدَ كَذَا إِذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا؛ وَسَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ أَنَّ أَكْلَهَا وَمِيرَتَهَا مِنَ الْقرى المفتتحة واليها تساق غنائمها وَقَالَ بن الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَكْلِهَا الْقُرَى غَلَبَةَ فَضْلِهَا عَلَى فَضْلِ غَيْرِهَا وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفَضَائِلَ تَضْمَحِلُّ فِي جَنْبِ عَظِيمِ فَضْلِهَا حَتَّى تَكَادَ تَكُونُ عَدَمًا قُلْتُ وَالَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فَقَالَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ تَأْكُلُ الْقُرَى إِلَّا رُجُوحُ فَضْلِهَا عَلَيْهَا وَزِيَادَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا كَذَا قَالَ) اهـ (1) ."يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وَهِيَ المَدِينَة"أي يُسَمُّونَهَا"يَثْرِبُ"واسْمُهَا الإِسْلامِيُّ الذي يَليِقُ بِهَا هو المَدِينَةُ."تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ"الكِيرُ هو الجِلْدُ الذي يَنْفُخُ به الحَدَّادُ على النَّارِ، وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ: هُوَ حَانُوتُ الحَدَّادِ نفسه. والمعنى أنّ المَدِينَةَ تُخْرِج شِرارَ النَّاس كما يخرج الكيرُ الوَسَخَ من الحَدِيدِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المُرَادُ بِهِ إِخْرَاجُ المُنَافِقِينَ منها عند ظُهُورِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَنْفِي النَّاسَ أيْ تُصْلِحَهُمْ وتُهَذِّبَ نُفُوسَهُمْ وتُخْرِجَ الشَّرَّ والخَبَثَ مِنْهُم.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
فَضْلُ المَدِينَةِ على سَائِرِ البَلادِ بَلْ على مَكَّةَ نَفْسِهَا لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَأْكُلُ القُرَى"أي تفتحها، وقَدْ فَتَحَت المَدِينَةُ كُلَّ المُدُنِ بِمَا فيها مَكَّةَ. قال المهلب:"هذا الحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ المَدِينَةَ على مَكَّةَ لأنَّهَا هِيَ التي أَدْخَلَتْ مَكَّةَ وسَائِرَ القُرَى فِي الإِسْلامِ"؛ ولكن يعارضه حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مَكَّةَ حيث قال فيها:"وَاللَّهِ إِنَّكَ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"رواه التِّرْمِذِيّ (2) ، وقد قال ملا علي القاري:"فيه تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ من المَدِينَةِ، كما عليه الجمهور (3) "اهـ.