تَحَلَّلَ منها فِي الموضع الذي أُحْصِرَ فِيهِ، وهو الحُدَيْبِيَةُ، فأتى بالأعْمَالِ المَشْرُوعَةِ فِي التَّحَلُّلِ. فَنَحَرَ هَدْيَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ جَامَعَ نِسَاءَهُ، هذا هو التَّرْتِيبُ الشَّرْعِيُّ الذي وقع منه، ولا عِبْرَةَ بِتَقْدِيِمِ الحَلْقِ فِي نَصِّ الحَدِيثِ لأنَّ الوَاوَ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، لا تُفِيدُ تَرْتِيبًَا ولا تَعْقِيبًَا."حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا"أيْ واسْتَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَحَلِّلًا مِنْ إِحْرَامِهِ يَلْبَسُ الثِّيَابَ ويَتَطَيَّبُ، ويَحْلِقْ رَأْسَهُ، ويُبَاشِرُ النِّسَاءَ، حتى كان العام القادم فقضى عمرته التي أُحْصِرَ عنها بِعُمْرَةٍ أُخْرَى فِي السَّنَةِ السَّابِقَةِ سُمِّيَتْ بِعُمْرَةِ القَضَاءِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أَنَّ المُعْتَمِرَ إذا أُحْصِرَ ومُنِعَ عن أَدَاءِ عُمْرَتِهِ تَحَلَّلَ مِنْهَا، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، وحَلَقَ رَأْسَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"لا يَنْحَرُ إلَّا فِي الْحَرَمِ". قال فِي"بدائع الصنائع":"وَلَا يُجْزِئُ دَمُ الْفِدْيَةِ إلَّا فِي الْحَرَمِ كَدَمِ الْإِحْصَارِ، وَدَمِ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ؛ وَأَمَّا الصَّدَقَةُ وَالصَّوْمُ: فَإِنَّهُمَا يُجْزِيَانِ حَيْثُ شَاءَ"اهـ (1) .
ثانيًا: مشروعية قضاء العمرة على من أُحْصِرَ عنها، لأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضاها، وهو واجب عند أَبِي حَنِيْفَةَ، مُسْتَحَبٌّ عند الجمهور، حيث يَرَوْنَ أنَّه لَا قَضَاءَ على المُحْصَرِ إلّا فِي حَجِّ الفَرِيْضَةِ (2) . قَالَ فِي"فِقْهُ السُّنَّةِ":"لَا قَضَاءَ على المُحْصَرِ إلّا أنْ يكون عليه فرض الحَجِّ: عن ابن عباس رضي الله عنهما، فِي قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) يقول: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ الْبَيْتِ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: شاة فما فوقها، يذبح عنه. فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً بَعْدَ الْفَرِيضَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ"اهـ (3) . وقال في"بداية المجتهد":"وَعُمْدَةُ مَالِكٍ فِي أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرُوا الْهَدْيَ، وَحَلَّقُوا رُءُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ» . ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضِيَ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَعُودَ لِشَيْءٍ"اهـ (4) .
وقال فِي"عون المعبود":"قَالَ اِبْن الْقَيِّم: عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة كَانَتْ سَنَة سِتٍّ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْت فَنَحَرَ الْبُدْن حَيْثُ صُدَّ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابه رُءُوسهمْ وَحَلُّوا مِنْ إِحْرَامهمْ وَرَجَعَ مِنْ عَامه إِلَى الْمَدِينَة، وَعُمْرَة الْقَضَاء وَيُقَال لَهَا عُمْرَة الْقَضِيَّة فِي الْعَام الْمُقْبِل دَخَلَهَا فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ خَرَجَ بَعْد إِكْمَال عُمْرَته. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ قَضَاء الْعُمْرَة الَّتِي صُدَّ عَنْهَا فِي الْعَام الْمَاضِي عُمْرَةً مُسْتَأْنَفَةً عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ؛ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد: أَحَدهمَا: أَنَّهَا قَضَاء وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه. وَالثَّانِي: لَيْسَتْ بِقَضَاءٍ وَهُوَ قَوْل مَالِك رَحِمَهُ اللَّه. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: كَانَتْ قَضَاء اِحْتَجُّوا بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَة الْقَضَاء وَهَذَا الِاسْم تَابِع لِلْحُكْمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْقَضَاء هُنَا مِنْ الْمُقَاضَاة لِأَنَّهُ قَاضَى أَهْل مَكَّة عَلَيْهَا لَا أَنَّهُ مِنْ قَضَى يَقْضِي قَضَاءً، قَالُوا: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ عُمْرَة الْقَضِيَّة. قَالُوا: وَاَلَّذِينَ صُدُّوا عَنْ الْبَيْت كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ فِي عُمْرَة"