فهرس الكتاب

الصفحة 1304 من 2668

وَحَجَّةٍ معًا، وأعود بِالحَجِّ وحده دون عمرة؟ فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخاها عبد الرحمن بن أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنْ يذهب بِهَا إلى"التَّنْعِيمِ"مَوْضِعٌ على طَرِيقِ المَدِينَةِ على بُعْدِ سِتَّةِ كِيلُومِتْرَاتٍ من مَكَّةَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تُحْرِمْ بالعُمْرَةِ من هناك. لأنَّهُ بالحِلِّ خَارِجَ الحَرَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الحَدِيثِ أنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال للنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند جَمْرَةِ العَقَبَةِ:"أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"إلخ وهذه مسألة أخرى سببها أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أمر أصحابه عند قدومهم مَكَّة بفسخ الحج إلى العمرة - شك سُرَاقَةُ في جواز ذلك -، هل هو حكم اسْتِثْنَائِي خاص بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَصْحَابِهِ، أو هو عَامٌّ للمُسْلِمِينَ جَمِيعًَا، وَبَاقٍ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، فسأله عن ذلك بقوله:"أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً؟"يعني جَوَازُ فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ خاص بكم فِي تلك الحَجَّةِ فقط؛"قَالَ: «لاَ، بَلْ لِلْأَبَدِ» "أيْ بَلْ يَجُوزُ هذا الفَسْخِ لعُمُومِ المُسْلِمِينَ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ حَجَّ مُفْرِدًَا أَنْ يَعْتَمِرَ بعد حَجِّهِ فيخرج إلى الحِلِّ خَارِجَ الحَرَمِ، ويُحْرِم منه، ولا يَخْتَصُّ ذلك بالتَّنْعِيمِ وإِنَّمَا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ بالإِحْرَامِ مِنْهُ قَدَرًَا، أوْ لأنَّهُ أقْرَبُ الحِلِّ.

ثانيًا: أنَّ المُعْتَمِرَ إنْ كَانَ مَكِّيًَا أوْ خَارِجَ مَكَّةَ ودَاخِلَ المِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ الحِلُّ، وإِنْ كَانَ خَارِجَ المِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِيقَاتُ حَجِّهِ.

ثالثًا: جَوَازُ فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، وهو مَذْهَبُ أحْمَدَ وأهْلِ الظَّاهِرِ؛ خِلافًا للجُمْهُورِ. قال في"عمدة القاري":"وَفِي رِوَايَة جَعْفَر عِنْد مُسْلِم: (فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى، وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لاَ بَلْ لأَبَدِ أَبَدٍ) "اهـ (1) . قَالَ النووي:"اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعُمْرَةَ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْمَقْصُودُ بِهِ بَيَانُ إِبْطَالِ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ مِنَ امْتِنَاعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ."

وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ جَوَازُ الْقِرَانِ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ دَخَلَتْ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَالثَّالِثُ: تَأْوِيلُ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً قَالُوا مَعْنَاهُ سُقُوطُ الْعُمْرَةِ قَالُوا وَدُخُولُهَا فِي الْحَجِّ مَعْنَاهُ سُقُوطُ وُجُوبِهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي بُطْلَانَه. ُ

وَالرَّابِعُ: تَأْوِيلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ مَعْنَاهُ جَوَازُ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ"اهـ (2) . وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضًَا:"وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْفَسْخِ هَلْ هُوَ خَاصٌّ لِلصَّحَابَةِ تِلْكَ السَّنَةِ خَاصَّةً أَمْ بَاقٍ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَيْسَ خَاصًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَلَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَقْلِبَ إِحْرَامَهُ عُمْرَةً وَيَتَحَلَّلَ بِأَعْمَالِهَا.

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَا يَجُوزُ بَعْدَهَا وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِ تِلْكَ السَّنَةَ لِيُخَالِفُوا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَمِمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت