فهرس الكتاب

الصفحة 1283 من 2668

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أنَّ التَّرتيب الشَّرْعِيّ بين أعمال يوم النَّحْرِ على النحو الآتِي: رَمْيُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَالنَّحْرُ، فَالحَلْقُ، فَطَوَافِ الإِفَاضَةِ أو الزَّيَارَةِ كما سَمَّاهُ فِي الحديث، وعلى أنَّ النَّحْرَ أو الذَّبْحَ قَبْلَ الحَلْقِ كما ترجم له البُخَارِيّ، وقد اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الإِسْلامِ على مَشْرُوعِيَّةِ هذا التَّرْتِيبِ، إلاّ أَنَّهُم اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ: هل هو وَاجِبٌ أو مُسْتَحَبٌ؟ قَالَ فِي"الجَوْهَرَةُ النَّيِّرَةُ على مختصر القدوري":"فَلَوْ أَنَّ الْقَارِنَ حَلَقَ أَوَّلًا ثُمَّ ذَبَحَ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ ثُمَّ يَحْلِقَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ عِنْدَهُمَا لَا يُوجِبُ الدَّمَ وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَقَوْلُهُ وَهَذَا دَمُ الْقِرَانِ وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ عِنْدَنَا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ لَا دَمَ جَبْرٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْأَكْلُ مِنْهُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِارْتِكَابِ مَحْظُورٍ كَالْأُضْحِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ دَمُ جَبْرٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْأَكْلُ مِنْهُ عِنْدَهُ"اهـ (1) .

وقال الحافظ فِي"الفتح":"وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي ذَلِك كَمَا قَالَه بن قُدَامَةَ فِي"الْمُغْنِي"إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ رُوِيَ عَن بن عَبَّاسٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ انْتَهَى وَفِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ إِلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ لِقَوْلِهِ لِلسَّائِلِ:"لَا حَرَجَ"فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا لِأَنَّ اسْمَ الضِّيقِ يَشْمَلُهُمَا؛ ... وُجُوبَ الْفِدْيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُسْقِطِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرَجَ إِلَّا وَقَدْ أَجْزَأَ الْفِعْلَ إِذْ لَوْ لَمْ يُجْزِئْ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَضَعَانِ عَنِ الْمَرْءِ الْحُكْمَ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ"اهـ (2) . وَمِمَّا يُؤكِّدُ أَيْضًَا عَدَم وُجُوبِهِ ما رُوِيَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ قَدَّمَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، أَوْ أَخَّرَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ"أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيّ (3) .

والمطابقة: فِي إجابته للسَّائِلِ عَنْ الحَلْقِ قبل الذَّبَحِ، بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ حَرَجَ"فإنَّهُ يَدُلُّ على أَنَّ تَقْدِيِمَ الذَّبَحِ على الحَلْقِ مُسْتَحَبٌّ وإلّا لِتَرَتُّبِ الحَرَجِ على مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبْحَ، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.

(1) "الجَوْهَرَةُ النَّيِّرَةُ على مختصر القدوري": [بَابُ الْقِرَانِ] ج 1 ص 163.

(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ) ج 3 ص 571.

(3) قَالَ فِي"نصب الراية":"عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ حَجِّهِ، أَوْ أَخَّرَهُ، فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا، انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ فِي"الْإِمَامِ": وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ ضَعِيفٌ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ، نَحْوَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت