فهرس الكتاب

الصفحة 1270 من 2668

لَا يُضْعِفُهَا وَأَيْضًا قَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِالْإِشْعَارِ وَهُوَ لَا يُتْرَكُ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلضَّعْفِ فَكَيْفَ يُتْرَكُ مَا لَيْسَ بِمَظِنَّةٍ لِذَلِكَ مَعَ وُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْلِيدِ الْهَدْيِ النَّعْلَ أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى السَّفَرِ وَالْجَدِّ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ النَّعْلَ مَرْكُوبَةً لِكَوْنِهَا تَقِي صَاحِبَهَا وَتَحْمِلُ عَنْهُ وَعَرَ الطَّرِيقِ، فَكَأَنَّ الَّذِي أَهْدَى خَرَجَ عَنْ مَرْكُوبِهِ لِلَّهِ تَعَالَى حَيَوَانًا وَغَيْرَهُ كَمَا خَرَجَ حِينَ أَحْرَمَ عَنْ مَلْبُوسِهِ وَمِنْ ثَمَّ اُسْتُحِبَّ تَقْلِيدُ نَعْلَيْنِ لَا وَاحِدَةٍ وَقَدْ اشْتَرَطَ الثَّوْرِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ غَيْرُهُ: تُجْزِئُ الْوَاحِدَةُ"اهـ (2) ."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: أنَّه يُسَنُّ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ، مُطْلَقًَا، كما يُسَنُّ إِشْعَاره، وهو مَذْهَب الجمهور، وكرهه أَبُو حَنِيْفَةَ لأنّه يراها مثلة. قال النووي:"أَمَّا الْإِشْعَارُ فَهُوَ أَنْ يَجْرَحَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْيُمْنَى بِحَرْبَةٍ أَوْ سِكِّينٍ أَوْ حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ثُمَّ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهَا. وَأَصْلُ الْإِشْعَارِ وَالشُّعُورِ: الْإِعْلَامُ وَالْعَلَامَةُ، وَإِشْعَارُ الْهَدْيِ لِكَوْنِهِ عَلَامَةً لَه، ُ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ، فَإِنْ ضَلَّ رَدَّهُ وَاجِدُهُ، وَإِنِ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ تَمَيَّزَ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارُ شِعَارٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهُ غَيْرِ صَاحِبِهِ عَلَى فِعْلِ مِثْلِ فِعْلِهِ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَاب الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ فِي الْهَدَايَا مِنَ الْإِبِلِ وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:"الْإِشْعَارُ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ"، وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْإِشْعَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ مُثْلَةٌ؛ فَلَيْسَ كَذَلِكَ! بَلْ هَذَا كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْخِتَانِ وَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ. وَأَمَّا مَحَلُّ الْإِشْعَارِ: فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْإِشْعَارُ فِي صَفْحَةِ السَّنَامِ الْيُمْنَى؛ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْيُسْرَى، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْغَنَمِ فَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِتَقْلِيدِهَا! وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَنَمَ لَا تُشْعَرُ لِضَعْفِهَا عَنِ الْجَرْحِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِالصُّوفِ. وَأَمَّا الْبَقَرَةُ فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ الْجَمْعُ فِيهَا بَيْنَ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدِ كَالْإِبِلِ"اهـ (3) .

ثانيًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ تَقْلِيدُ الْغَنَمِ فِي الْإِشْعَارِ من الميقات اتباعًا للنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال في الزرقاني:"وَفِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَفَائِدَتُهُ الْإِعْلَامُ بِأَنَّهَا صَارَتْ هَدْيًا لِيَتَّبِعَهَا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَتَّى لَوِ اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا تَمَيَّزَتْ، أَوْ ضَلَّتْ عُرِفَتْ، أَوْ عَطِبَتْ عَرَفَهَا الْمَسَاكِينُ بِالْعَلَامَةِ، فَأَكَلُوهَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شِعَارِ الشَّرْعِ، وَحَثِّ الْغَيْرِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَعَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَكَانَ مَشْرُوعًا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ، بَلْ وَقَعَ الْإِشْعَارُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ بِزَمَانٍ ... وَقَدْ كَثُرَ تَشْنِيعُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِطْلَاقِ كَرَاهَةِ الْإِشْعَارِ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذِهِ طَامَّةٌ مِنْ طَوَامِّ الْعَالَمِ أَنْ تَكُونَ مُثْلَةً شَيْءٌ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُفٍّ لِكُلِّ عَاقِلٍ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ، قَالَ: وَهَذِهِ قَوْلَةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُعْلَمُ لَهُ فِيهَا مُتَقَدِّمٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَا مُوَافِقٌ مِنْ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ إِلَّا مَنْ قَلَّدَهُ، وَلِذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَقَالَا بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ النَّخَعِيَّ وَافَقَهُ"اهـ (4) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهَدْيَ وَأَشْعَرَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت