وقت الوقوف بِعَرَفَةَ، قال فِي"شرح منتهى الإرادات":" (وَوَقْتُهُ) أَيْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ؛ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْت لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ» اهـ (6) وقال فِي سنن أبي داود وغيره:"الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَتَمَّ حَجُّهُ"قال الألباني"صحيحٌ"."
واتفق الجمهور:"الحَنَفِيَّةُ والحَنَابِلَةُ والشَّافِعِيَّةُ":"على أنَّ من وقف فِي أي جزء من هذا الوقت من لَيْلٍ أو نَهَارٍ فقد أدّى هذا الرُّكْنَ، وحَجُّهُ صَحِيحٌ". قال فِي"المجموع شرح المهذب":"وَقْتُ الْوُقُوفِ بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ. وقال القاضى أبو الطيب والعبدري: هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَقْتُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ) (7) . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى الْيَوْمِ وَمَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ. قَالُوا: وَحَدِيثُ عُرْوَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ"اهـ (8) . ومشهور مَذْهَب الشَّافِعِيّ:"أَنَّ مدَّ الوُقُوفِ إلى اللَّيْلِ سُنَّةٌ فَقَطْ؛ ولا دم على من دفع قبل الغروب. وإِنْ لَمْ يعد إليها بعده، لِمَا فِي الخَبَرِ الصَّحِيحِ"فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ". وقالت المالكية: لا يتحقق هذا الرَّكن إلاّ بالوقوف جزءًا من الليل بعد الغروب، فإنَّ مشهور مَذْهَب مالك:"أنَّهُ لا بد من الوقوف جُزْءًَا من الليل، فلو فاته بطل حجه ولا يكفي الوقوف نهارًا فقط، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ:"مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ"أَخْرَجَهُ مالك (9) ، ولهذا قال فِي"القوانين الفقهية":"لَا يَدْفَعُ من عَرَفَةَ إِلَّا بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيهِ الْعَوْدُ لَيْلًا وَإِلَّا يَبْطُلُ حَجُّهُ؛ وَمن دَفَعَ بعد الْغُرُوب قَبْلَ الإِمَامِ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ"اهـ (10) . وأَجَابَ الجمهور:"بأنَّ مُرَادَ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِعَدَمِ الوُقُوفِ بعرفة فِي وقته قبل طلوع فجر يوم النَّحر لا أنَّهُ يَفُوُتُه بِعَدَمِ الوقوف لَيْلًا لأنَّهُ أَرَادَ بذلك بيان آخر وقت الوقوف"اهـ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَرَأَيْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ".
(1) "إرشاد السَّاري"للقسطلاني: ج 3.
(2) قال فِي"صحيح ابن خزيمة":"قال الأعظمي: إسناده حسن". وقال فِي"المسند الجامع":"أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ 4/ 82 (16879) قال: حدَّثنا يَعْقُوب، قال: حدَّثنا أَبِي. و"ابن خزيمة"2823 قال: حدَّثنا نَصْر بن علي، قال: أخبرنا وَهْب بن جَرِير، قال: حدَّثنا. وفِي (3057) أَبِي قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن عِيسَى، قال: حدَّثنا سَلْم. ثلاثتهم (إبراهيم، وجَرِير، وسَلْم) عن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قال: حدَّثني عَبْد اللهِ بن أَبي بَكْر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حَزْم الأَنْصَاريّ، عن عُثْمَان بن أَبي سُلَيْمَان بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن عَمِّه نافع بن جُبَيْر، فذكره"اهـ.