فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 2668

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَوَقَفَ فِي ذَيْلِ الْجَبَلِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالِابْتِهَالِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ عَرَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَوْقِفِهِ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ:"وَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ خَيْرَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} . فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَحْكَمَ غُرُوبُهَا، أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ بِالسَّكِينَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرْفَ رَحْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ:" «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» ". وَأَفَاضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، وَدَخَلَ عَرَفَةَ مِنْ طَرِيقِ ضَبٍّ، وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي الْأَعْيَادِ، أَنْ يُخَالِفَ الطَّرِيقَ.

ثُمَّ جَعَلَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً وَهُوَ الْمُتَّسَعُ، نَصَّ سَيْرَهُ، وَكُلَّمَا أَتَى رَبْوَةً مِنْ تِلْكَ الرُّبَى، أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. وَكَانَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ، لَمْ يَقْطَعِ التَّلْبِيَةَ. فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ نَزَلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقَالَ لَهُ أسامة: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:" «الصَّلَاةَ - أَوِ الْمُصَلَّى - أَمَامَكَ» ". ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَذَانِ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ وَتَبْرِيكِ الْجِمَالِ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ صَلَّى عِشَاءَ الْآخِرَةِ بِإِقَامَةٍ بِلَا أَذَانٍ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، وَرُوِيَ بِإِقَامَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، كَمَا فَعَلَ بِعَرَفَةَ. ثُمَّ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَلَمْ يُحْيِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ فِي إِحْيَاءِ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ شَيْءٌ. فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ، صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا قَبْلَهُ قَطْعًا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْأَذَانِ بِبَرَاءَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ. ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى مَوْقِفَهُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالذِّكْرِ حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، وَذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْقِفِهِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّ مُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ، ثُمَّ سَارَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ مُرْدِفًا لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ، وَانْطَلَقَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ.

وَفِي طَرِيقِهِ ذَلِكَ أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يَلْقُطَ لَهُ حَصَى الْجِمَارِ، سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَالْتَقَطهاَ لَهُ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ:" «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» ". فَلَمَا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ نَاقَتَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ. وَسَلَكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى مِنًى، فَأَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَوَقَفَ فِي أَسْفَلِ الْوَادِي، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَمَاهَا رَاكِبًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَحِينَئِذٍ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ. وَكَانَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى شَرَعَ فِي الرَّمْيِ، وَرَمَى بَلَالٌ وَأُسَامَةُ مَعَهُ أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ يُظَلِّلُهُ بِثَوْبٍ مِنَ الْحَرِّ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً بَلِيغَةً أَعْلَمَهُمْ فِيهَا بِحُرْمَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَتَحْرِيمِهِ، وَفَضْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَحُرْمَةِ مَكَّةَ عَلَى جَمِيعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت