فهرس الكتاب

الصفحة 1189 من 2668

الجمهور، ثُمَّ بين الأصْنَاف التي تخرج منها، وأنَّها من غالب قوت البلد كما قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ"وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى"صَاعًا مِنْ طَعَامٍ؛ وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ". فجعلها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هذه الأصناف لأنّهَا غالب قوت أهل المدينة، ثُمَّ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّها تَجِبُ:"عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ"ويُخْرِجُهَا عنه وليه"وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ"خَاصَّةً"وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ"أيْ بعد صَلاةِ الفَجْرِ وقبل خُرُوجِ النَّاسِ إلى صَلاةِ العِيدِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنّ زكاة الفطر فرض على كل مسلم يملك ما يزيد على قوته وقوت عياله، سواء كان ذكرًا أو أنثى، عبدًا أو حرًا، صغيرًا أو كبيرًا، وقال أَبُو حَنِيْفَةَ:"إنَّها واجبة وليست فرضًا وتجب على من يملك النِّصاب الشَّرعي"؛ وليس عليه دليل. قَوْلُهُ: (فَرَضَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، قَالُوا: إذْ لَا دَلِيلَ قَاطِعٌ تَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ. قَالَ الْحَافِظُ: فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ، وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ اللَّبَّانِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ"فَرَضَ"أَيْ قَدَّرَ وَهُوَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إلَى الْوُجُوبِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ"اهـ (2) . وقال فِي"الحاوي الكبير": (كُلُّ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا حُرًّا فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ إِذَا وَجَدَهَا بَعْدَ قُوتِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا. وَحُكِيَ عَنِ الحسن البصري وسعيد بْنِ الْمُسَيَّبِ:"أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَلَّى وَصَامَ". وَحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ أَطَاقَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ". وَبِمَذْهَبِنَا قَالَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ تَعَلُّقًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَّا الْمُشْرِكُ فلا زكاة عليه، إجماعًا فأما الْعَبْدُ فَزَكَاةُ فِطْرِهِ عَلَى سَيِّدِهِ) اهـ (3) ."

ثانيًا: أنّ مِقْدَارَهَا صَاعٌ، وَالصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ.

ثالثًا: أنَّها تُخْرَجُ مِنْ غَالِبِ قُوْتِ البَلَدِ من: حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط (4) أو غيرها، وإِنَّمَا ذكر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الأصناف، لأنها غالب قوت المدينة في العهد النبوي.

رابعًا: قال أَبُو حَنِيْفَةَ: الواجب من القمح نِصفً صاعٍ فقط، لقول معاوية من على منبر المسجد النَّبَوِيِّ:"إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ"أخرجه مسلم. وقد اختاره ابن تيمية (5) ، والجمهور على أنَّ فِي البُّرِ صَاعًا كغيره لعموم الأحاديث.

خامسًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ إخراجها قبل صلاة العيد وسيأتي تفصيله.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت