لَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْقِيمَةِ فَكَانَ الْعَرْضَ يَزِيدُ تَارَةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ فَلَمَّا قَدَّرَ الشَّارِعُ التَّفَاوُتَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ فِي الْأَصْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ مَثَلًا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ بِنْتُ لَبُونٍ مَعَ التَّفَاوُتِ وَاللَّهُ أَعْلَم"اهـ (2) . وأجَابَ الحنفية بالقول كما في"المبسوط":"أَنَّ جُبْرَانَ مَا بَيْنَ السِّنِينَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهُ بِحَسَبِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَتَقَدَّرُ بِشَاتَيْنِ أَوْ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنْ وَجَبَ فِي إبِلِهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَلَمْ يَجِدْ الْمُصَدِّقُ فِيهَا إلَّا حِقَّةً أَخَذَهَا وَرَدَّ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا مِمَّا اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا بِنْتَ مَخَاضٍ أَخَذَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا مِمَّا اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ» وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ السِّنِينَ فِي زَمَانِهِ كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا أَنَّهُ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَ جُبْرَانَ مَا بَيْنَ السِّنِينَ بِشَاةٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ كَانَ مُصَدِّقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا النَّصُّ وَلَا يَظُنُّ بِهِ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ السِّنِينَ فِي زَمَانِهِ كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرَ"اهـ (3) ."
ولهذا قال البُخَارِيّ: بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ، أيْ اسْتِبْدَالُ زَكَاةِ المَاشِيَّةِ بغيرها من العُرُوضِ، واسْتَدَلَّ على ذلك أيْضًَا، بِقَوْلِ مُعَاذٍ لأهل اليمن:"ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ - أَوْ لَبِيسٍ - فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ"أخرجه البُخَارِيّ.
ثانيًا: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ بِهذا الحديث على أنَّه إذا اختلف السِّنُّ المطلوب فإنَّ على رَبِّ المَاشِيَّةِ أنْ يدفع أَعْلَى منه، ويأخذ من السَّاعِي عشرين درهمًا أو شَاتَيْنِ، أو يدفع أَدْنَى منه ويُعطي للسَّاعِي عشرين درهمًا أو شَاتَيْنِ، وأنّ التَّفَاوُتَ بين السِّنَّيْنِ مُحَدَّدٌ بذلك كما ذكر فِي الحديث فهو دائمًا عشرون درهمًا أو شَاتَيْنِ لا يزيد ولا ينقص. قال فِي "المنهل العذب":"وذهب أَبُو حَنِيْفَةَ وأصحابه إلى أنَّ من لَزِمَهُ سِنٌّ ولَمْ يوجد عنده، يدفع أدْنَى منه، والفَرْقُ بين السِّنَّيْنِ بالغًا ما بلغ أو يدفع أعلى من السِّنِّ الوَاجِبِ، ويأخذ الفرق بين السِّنَّيْنِ من السَّاعِي إنْ شَاءَ، لأنَّهُ فِي حكم البيع، وهو مبنيٌّ على التَّرَاضِي أو يدفع قيمة السِّنِّ المطلوب" اهـ (4) . وقال مالك:"يُلْزَمُ رَبِّ المَالِ بِإِحْضِارِ السِّنِّ الوَاجِبِ، وإنْ بِشِرَاءٍ؛ والله أعلم".
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ".
(1) أيْ جَوَازُ أَخْذِ العَرْضِ - بفتح العين وسكون الراء - والمُرَادُ به مَا عدا النَّقْدَيْنِ.
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ) ج 3 ص 313.