اللَّهِ بْن إدريس، عَنْ مُوسَى بْن أَبي بردة: كان الشَّعْبِيُّ يجيء إِلَى دارنا فيقول: أين قمر الدار؟ - يَعْنِي سَعِيد بْن أَبي بردة. قال العجلي:"كُوفيٌّ"، ثِقَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم:"هُوَ صَدُوق ثِقَةٌ". وَقال أَبُو الْحَسَنِ الميموني، عن أَحْمَد بنِ حَنْبَل:"بَخٍ، ثَبْتٌ فِي الحديث". وَعَن يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ:"ثِقَةٌ". وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ". ووثَّقَه النَّسَائِيّ؛ كما في تهذيب ابن حجر.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، أَيْ: أنَّ الصَّدَقَةَ بِغَيرِ الزَّكَاةِ المَفْرُوضَةِ حَقٌّ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ؟ أَنْ يُؤَدِيَهُ نَدْبًَا واسْتِحْبَابًَا، فيستحب لكل مسلم أَنْ يَتَصَدَّقَ مَهْمَا كانت ظروفه وأحواله، فَلَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةُ ذلك ظَنُّوا أَنَّ الصَّدَقَةَ المطلوبة من كل مسلم هي"الصَّدَقَةُ بالمال""فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟"، أي: فمن كان فقيرًا لا يملك مالًا يتصدق منه ماذا يصنع؟ فبَيَّنَ لهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه ليس المقصود من الصَّدَقَةِ صَدَقَةِ المَالِ فقط، وإِنَّمَا هي شيء آخر أعم وأشمل، وهو"صُنْعُ المَعْرُوفِ" (1) سواء كان بالمال أو بالبدن واللسان، كما وضَّح ذلك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بقية الحديث حيث"قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» "أي إنْ لَمْ يَجِدْ مالًا حاضرًا يتصدق منه فعليه أنْ يسعى لتحصيله وكسبه بالعمل في أي مهنة شريفة يحصل منها على المال الحلال، فينفق على نفسه وَيَتَصَدَّقُ على غيره.
"قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» "أي قالوا: فإنْ لَمْ يقدر على العمل، أو لَمْ يجد مهنة يكسب منها المال فيتصدق منه، قال: يُعِينُ ذوي الحاجات من عاجز أو مظلوم، بقوله أو فعله قدر استطاعته، فإنّ هذا العمل البدني وهذه الخدمة البدنية التي يقدمها لمن استغاث به تحتسب له صدقة"قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟"القدرة على مساعدة غيره ببدنه أو لسانه"قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ"، أي فليأت بنوافل العبادات البدنية من صَلاةٍ وصِيامٍ وقِرَاءَةِ قُرْآن"وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ"أيْ يَتَجَنَّبُ المُحَرَّمَاتِ من غِيْبَةٍ ونَمِيمَةٍ وَكَذِبٍ،"فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ"أيْ فَإِنَّ فِعْلَ الخَيْرِ والكَفَّ عَنِ الشَّرِّ له ثواب الصَّدَقَةِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ الصَّدَقَةَ مطلوبة من كل مسلم غَنِيًَّا أو فقيرًا، فإنْ كان غَنِيًَّا فالصَّدَقَةُ بالنِّسْبَةِ إليه هي صدقة المال، وإنْ كان فقيرًا فإنّ عليه أيضًا صدقة مندوبة مستحبة وهي فعل الخير وصنع المعروف، سواء كان بالبدن أو باللسان. ثانيًا: أنَّ كُلَّ معروف صدقة فإغاثة الملهوف صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وقراءة القرآن صدقة، ونوافل العبادات البدنية كلها صدقة.
ثالثًا: أنَّ الإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ واجتناب المُحَرَّمَاتِ صدقة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ".
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ".