"ما كَانَ أفضله ولم يكن مثله؛ كَانَ هذا أجمع". وثَّقُوْهُ؛ وَقَالَ مَعْمَرٌ:"كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ، وَأَحْسَنِهِم خُلُقًا، مَا رَأَينَا ابْنَ فَقِيْهٍ مِثْلَهُ"؛ وقال:"دخل مع مالك على المَنْصُور فقال:"حدِّثني عن أبيك"قال:"حدَّثني أبي أن: «أشدُّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ من أَشرَكَه اللهُ فِي سُلطانِه فَجَارَ في حُكْمِهِ» (1) !"فأمسك المنصور. قال مالك:"فَضَمَمْتُ ثيابي خوفًا أن يصيبني دمه"؛ ثم قال له:"ناولني الدَّواة"؛ فلم يفعل. فقال: لم لا تناولني؟! فقال:"أخاف أن تكتب بِهَا معصيةً". قال:"قوما عَنِّي! قال: قوما عَنِّي!"قال:"ذلك ما كُنَّا نَبْغِي"؛ قال مالك فمازلت أعرف فضله. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لي أيوب:"إن كنت راحلًا إِلَى أحدٍ فعليك بابن طاووس". سَمِعَ مِنْ: أَبِيْهِ - وَأَكْثَرَ عَنْهُ -؛ وَمِنْ: عِكْرِمَةَ، وَعَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، وَعِكْرِمَةَ بنِ خَالِدٍ المَخْزُوْمِيِّ، وَجَمَاعَةٍ. وَحَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَرَوْحُ بنُ القَاسِمِ، وَوُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ، وَآخَرُوْنَ. مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلاَفَةِ أَبِي الْعَبَّاس سنة اثنتين وثلاثين ومائة."
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ"أيْ أُرسِلَ إلَيْهِ ليقبض روحه،"فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ"أي ضربه على عينه ضربة عنيفة فقلعها، ولكن ملك الموت لَمْ يتأثر بذلك لأنَّ هذه العين التي اقتلعها عين صورية بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ الذي يلبسه الشَّخْصُ، وإِنَّمَا لَطَمَهُ لأنَّهُ لَمْ يعرفه، أو أقدم على قبض روحه دون تخييره، والأَنْبِيَاء يُخَيَّروُن قبل مَوْتِهِمْ،"فقال: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ"أيْ على ظَهْرِ ثَوْرٍ"فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ"أيْ ثُمَّ لا بد من الموت، لأنَّه مصير كُلِّ حَيٍّ،"قَالَ: فَالْآنَ!"أيْ مَا دَامَ المَوْتُ هو النِّهاية المحتومة التي لا مفرّ منها، فتوفني إليك الآن."فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ"، وهِيَ بَيْتُ المَقْدِسِ"رَمْيَةً بِحَجَرٍ"قَالَ العَيْنِيُّ: أي سأل الله تعالى الدُّنو من بَيْتِ المَقْدِسِ ليُدْفَنَ فيه، دنوًا لو رمى رام الحجر من ذلك الموضع الذي هو الآن موضع قبره لوصل إلى بَيْتِ المَقْدِسِ"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ"أيْ لَوْ كُنْتُ موجودًا هناك"لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ"أي عند الرَّمَلُ الْمُسْتَطِيلُ المُحْدَوْدَبِ الأَحْمَرِ المُجْتَمِعِ هناك.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: دَلَّ الحديث على فَضْلِ الدَّفْنِ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وأنَّهُ أُمْنِيَةُ الأَنْبِيَاءِ والمُرْسَلِينَ، وعِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، حيث سأل مُوسَى ربه أنْ يدنيه من بَيْتِ المَقْدِسِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قال النووي:"وَأَمَّا سُؤَالُهُ الْإِدْنَاءَ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَلِشَرَفِهَا وَفَضِيلَةِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَدْفُونِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاءَ وَلَمْ يَسْأَلْ نَفْسَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ فَيَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ وَفِي هَذَا اسْتِحْبَاب الدَّفْنِ فِي الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ وَالْمَوَاطِنِ الْمُبَارَكَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ مَدَافِنِ الصَّالِحِينَ والله أعلم"اهـ (2) . وفي رواية الموطأ"عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ:"اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَوَفَاةً بِبَلَدِ رَسُولِكَ"، وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُصَنَّفِ عبد الرَّزاق:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ فِي مَدِينَةِ