أَرْضَعَتْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ"ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ"أيْ بعد ذلك بِمُدَّةٍ من الزَّمَنِ،"وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ"أيْ وَإِبْرَاهِيمُ فِي حَالِ النَّزْعِ على وشك أنْ تَفِيضُ رُوْحُهُ،"فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ"بكسر الراء أي تفيضان بالدُّمُوعِ"فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!"قال القَسْطَلانِيّ: العطف على محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب ويتفجعون، وأنت يا رسول الله تفعل كفعلهم مع حَثِّكَ على الصبر ونَهْيِّك عن الجزع،"فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ» "أي رِقَّةٌ في القلب تَجِيشُ فِي النَّفْسِ عند فراق الأحبة، فتبعث على حزن القلب، وبكاء العين، وهي غريزة لا يلام عليها، وليست من الجزع في شيء"ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى"أي أَتْبَعَ الدَّمْعَةَ الأولى بالدَّمْعَةِ الثَّانية،"فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ"بمقتضى الغريزة التي فطر الله عليها خلقه،"وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا"من الحمد والاسْتِرْجاَع، وسؤال الخُلْفِ الصَّالحِ أي وليس الحزن من فعلنا، ولكنَّه أمر أودعه الله فينا وأوقعه في قلوبنا، فلا نلام عليه إلاّ إذا قلنا أو فعلنا ما لا يرضى ربنا"وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ"؛ كما أفاده القَسْطَلانِيّ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جوازُ البُكَاءِ عند المصيبة لأنَّهُ ظاهرةٌ طبيعيةٌ تنشأ عن غريزة الحزن التي فطر الله عليها الخلق، وعن رِقَّةِ القلب التي خلقه الله عليها، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنَّهَا رَحْمَةٌ". يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله:"وقد خلق الله فِي الإِنْسَانَ الضَّحِكَ والبُكَاءَ، كما خلق فيه الموت والحياة، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى(43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) وهُمَا سِرٌّ من أَسْرَارِ التَّكْوِينِ البشري، لا يدري أحد كيف هُمَا، ولا كيف يَقَعَانِ فِي هذا الجِهَازِ الجِسْمِيِّ المُعَقَّدِ، وتَعْقِيدُهُ النَّفْسِيُّ لا يقل عن تَعْقِيدُهُ العضوي الذي تتداخل المُؤَثِرَاتُ النفسية والعضوية فيه وتتفاعلان"اهـ (1) .
ثانيًا: أنَّ الوَاجِبَ على المؤمن أنْ لا يقول عند المصيبة، ولا يفعل إلاّ ما يرضى الله عَزَّ وَجَلَّ، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا".
والمطابقة: في كون التَّرْجَمَة جزءًا من الحديث.
(1) "في ظلال القرآن"المجلد السادس.