فهرس الكتاب

الصفحة 1077 من 2668

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَيفَ بكم إِذا غَدا أحدكُم فِي حلَّة وَرَاح فِي أُخْرَى وَوضعت بَين يَدَيْهِ صَحْفَة وَرفعت أُخْرَى وَيسْتر بَيته كَمَا تستر الْكَعْبَة قَالُوا:"يَا رَسُول الله! نَحن يَوْمئِذٍ خير نكفى الْمُؤْنَة ونفرغ لِلْعِبَادَةِ"؛ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: «بَل أنتُم اليومَ خيرٌ مِنكم يومَئذٍ» انْتَهَى وَقَالَ:"حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ".

وَلَمَّا كَتَبَتِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْعَثْ إِلَيْنَا مُقْرِئًا يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ؛ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بن زرارة فكان يقرئهم القرآن، وهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ فِي الإِسْلامِ جُمُعَةً. وفي غزوة بدر كان لواء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأعظم لواء المهاجرين مَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ. كما حَمَلَ اللِّوَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمَّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ ثَبَتَ بِهِ مُصْعَبٌ فَأَقْبَلَ ابْنُ قَمِيئَةَ - وَهُوَ فَارِسٌ - فَضَرَبَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَطَعَهَا وَمُصْعَبٌ يَقُولُ: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» وأخذ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى. وَحَنَا عَلَيْهِ، فَضَرَبَ يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَطَعَهَا فَحَنَا عَلَى اللِّوَاءِ وَضَمَّهُ بِعَضُدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ بِالرُّمْحِ فَأَنْفَذَهُ وَانْدَقَّ الرُّمْحُ وَوَقَعَ مُصْعَبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَقَطَ اللِّوَاءُ.

الحديث: أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ.

معنى الحديث: يَقُولُ خَبَّابٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ"، أي هاجرنا بنيةٍ خالصة نطلب رضا الله وحده،"فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ"أي فثبت أجرنا عنده بمقتضى وعده الذي لا يُخْلَف،"فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا"أي فبعضنا مات قبل الفتوحات الإسلامية، ولم يكسب شيئًا من غنائمها"مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ"الذي لم يَنَلْ من الدُّنْيَا شيئًا"وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ"، أي وبعضنا نضجت ثمرة الدُّنْيَا بين يديه فنال منها. وهو كناية عن المسلمين الذين أدركوا الفتوحات، فأثروا من الغنائم، ونالوا حظًا من الحياة ونعيمها"فَهُوَ يَهْدِبُهَا"بفتح الياء أي يقتطف زهرة هذه الدُّنْيَا وثمرتها اليانعة"قُتِلَ"مصعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً"أي كساء غليظًا مخططًا قصيرًا،"إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ"مع جسمه وعورته"وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ"وهو نبت حجازي معروف.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّ الوَاجِبَ فِي الكفن ثَوْبٌ واحِدٌ يَسْتُرُ العَوْرَةَ، فإنْ قَصَرَ عن جسمه كله فيغطى به رأسه وعورته، وإنْ ضَاقَ عنهما غُطِّيَتْ عَوْرَتُهُ، وجُعِلَ على البَاقِي الإذْخِر.

ثانيًا: ما كابده الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم فِي هِجْرَتِهِمْ من المشاق والمتاعب وشِدَّة الفقر والحاجة، فهذا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي كَانَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهُ وَيَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ بِمَكَّة أَحْسَنَ لِمَّةً، وَلَا أَرَقَّ حُلَّةً، وَلَا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ» (1) فلما استشهد لَمْ يترك سوى بُردةً لَمْ تتسع فِي كفنه لجسده كله.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَأَمَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت