وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ بياض الكفن؛ كما قال الحافظ فِي"الفتح":"كُفِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ الْحَدِيثَ وَتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لِنَبِيِّهِ إِلَّا الْأَفْضَلَ"اهـ (3) . وفي الحديث عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْبَسُوا الثِّيَابَ الْبِيضَ فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ"، أخرجه أصحاب السُّنَن، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ والحاكم (4) .
ثانيًا: أنَّه يُسَنُّ التَّكْفِينُ فِي ثَلاثَةِ أثْوابٍ. واختلفوا فِي القَمِيصِ والعِمَامَةِ، فقال المالكية كما ذكره ابن بطال:"وقال ابن حبيب: اسْتَحَبَّ مَالِكٌ للرَّجُلِ خَمْسَةَ أثْوابٍ يُعَدُّ فيها القَمِيصُ والعِمَامَةُ والمِئْزَرُ، ويلف في ثوبين، وقال فِي الْمُدَوَّنَةِ: مِنْ شَأْنِ المَيِّتِ أنْ يُعَمَّمَ عِنْدَنَا؛ وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يكفن فِي قميصٍ"اهـ (5) . لقَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ"، أي ثَلاثَةَ أثْوابٍ زيادة على القميص والعمامة؛ وَقَالَ الجُمْهُورُ: "لا يستحب القميص ولا العمامة؛ لأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا:"لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ"أي بدون قميص ولا عمامة."
وَقَالَ فِي"بداية المجتهد": (فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ فَقَالَ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَالْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقَلُّ مَا تُكَفَّنُ فِيهِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ، وَالسُّنَّةُ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ، وَأَقَلُّ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الرَّجُلُ ثَوْبَانِ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِيهِمَا إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوِتْرُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّوْقِيتِ فِي مَفْهُومِ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ، فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُمَا الْإِبَاحَةَ لَمْ يَقُلْ بِتوْقِيت إِلَّا أَنَّهُ اسْتَحَبَّ الْوِتْرَ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْوِتْرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُمَا الْإِبَاحَةَ إِلَّا فِي التَّوْقِيتِ، فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ شَرْعًا لِمُنَاسَبَتِهِ لِلشَّرْعِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْعَدَدِ أَنَّهُ شَرَعَ الْإِبَاحَةَ قَالَ: بِالتَّوْقِيتِ، إِمَّا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَإِمَّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَكُلُّهُ وَاسِعٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -، وَلَيْسَ فِيهِ شَرْعٌ مَحْدُودٌ) اهـ (6) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ".
(1) سَحولية: بِفَتْحِ السِّينِ يَعْنِي: بَيْضَاءَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَحَلْت الشَّيْءَ إذَا قَصَّرْته نِسْبَةً إلَى سَحُولٍ قَرْيَةٍ بِالْيَمَنِ.
(2) أي من قطن.
(3) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ الثِّيَابُ الْبِيضُ لِلْكَفَنِ) ج 3 ص 135.
(4) قال فِي"مسند أحمد ط الرسالة":"حديث صحيح، رجاله ثقات. يزيد: هو ابن هارون، والحكم: هو ابن عتيبة"اهـ.
(5) "شرح صحيح البخاري لابن بطال":"بَاب الثِّيَابِ الْبِيضِ لِلْكَفَنِ"ج 3 ص 259.
(6) "بداية المجتهد": [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَكْفَانِ] ج 1 ص 245.