فهرس الكتاب

الصفحة 1056 من 2668

ثُمَّ قَالَ الرَّاوِي:"وَعِيَادَةِ المَرِيضِ"وهنا انتقل الحديث إلى بيان الحقوق الاجتماعية التي تجب على كُلِّ مُسْلِمٍ ويسن له أداؤها لغيره من المسلمين، أو من الناس مُطْلَقًَا حيث أمر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعيادة المريض أي زيارته أثناء مرضه، لتسليته والتخفيف عنه، وإشعاره بمنزلته، وأهميته، وهي من أقوى العوامل المؤدية إلى تحسين حالته النفسية والجسمية، ورفع معنوياته، وزيادة مقاومته. ولا تختص عيادة المريض بالمسلم، بل تكون لكل من له صلة قرابة أو علاقة جوار ولو كان ذميًا.

ثُمَّ قَالَ البَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِجَابَةِ الدَّاعِي"، أي وأمر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإجابة الدعوة وهي ما يتخذ من الطعام عند المناسبات السعيدة من حدوث نعمة أو زوال نقمة ابتهاجًا وفرحًا وشكرًا لله تعالى."وَنَصْرِ المَظْلُومِ"، أي إغاثته، ودفع الظِّلم عنه ولو كان ذميًا."وَإِبْرَارِ القَسَمِ"وهو فعل الشيء الذي أقسم عليه تحقيقًا لرغبته لئلا يحنث في يمينه."وَرَدِّ السَّلاَمِ"على من بدأ بالسَّلام تجاوبًا معه وإشعارًا له بالمحبة وصادق الألفة والمودة."وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ"أي الدُّعاء له بالخير إذا حمد الله، فيقال له: يرحمك الله؛ وهو مشتق من الشَّوَامِت وهي القوائم فكأنَّه دعاء له بالثَّبَاتِ على طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.

ثُمَّ انتقل الرَّاوِي إلى الحديث عن بعض المحرّمات التي نَهَى عنها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:"وَنَهَانَا عَنْ: آنِيَةِ الفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَالحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ"وهو ما غَلُظَ من الحرير"وَالقَسِّيِّ"- بفتح القاف وكسر السين المشددة - وهو ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بِالْحَرِيرِ يُقَالُ لَهَا الْقَسِّيَّةُ تُنْسَبُ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ قَسُّ، وَيُقَالُ إِنَّهَا قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ، وَهِيَ ثِيَابٌ يَلْبَسُهَا النِّسَاءُ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: مَشْرُوعِيَّةُ المُحَافَظَةِ على هذه الأعمال السَّبْعَةِ التي أمرنا بها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنَّها تكفل لكل فرد رعاية حقوقه حيًا كان أو ميتًا. وتختلف هذه الأعمال في أحكامها الشَّرعية من حيث الوُجوب والسُّنيّة.

فأَمَّا تَشْيِيعُ الْجِنَازَةِ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وكذلك نَصْرِ المَظْلُومِ لمن كان قادرًا عليه، ولم يخشَ ضررًا يصيبه منه، وكذلك رد السَّلام عند مالك والشَّافِعِيّ.

وأما تَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ، فإنَّها سُنَنٌ مستحبةٌ. وذهب بعض الفُقَهَاء إلى أنَّ عِيَادَةَ المَرِيضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، حكمها في ذلك حكم إطعام الجائع وفك الأسير، وقد رغّب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها كثيرًا فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ"أي في روضة من رياضها؛ أخرجه مسلم. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:"يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت