وثمة أمر لعله يزيد على ذلك في الأهمية، وأعني به كتابة المصحف بالرسم العثماني، وهو الرسم الذي كان عليه الكتابة العربية في الجاهلية وصدر الإسلام، ومعلوم أن هذه الكتابة قد طرأ عليها تغيير وتحسين حتى صارت إلى صورتها الحالية في الإملاء الحديث المضبوط بقواعد دقيقة محكمة.
وهذه الكتابة هي المعمول بها في كل وسائل الثقافة؛ من الكتب المدرسية وغيرها ومن النشرات والمجلات والصحف، والإعلانات والافتات وغيرها، وقد اعتاد الناس عليها واستساغوها وتعلموها، وصارت جزءاً منهم، وهي قريبة المطابقة للنطق، وبها يقرؤون ويكتبون، بينما الرسم العثماني محصور في المصحف فقط، وأكثر الناس لم يتعلموا قواعده، ولم يستسيغوها، ولذلك تجد كثيراً من خريجي الجامعات في بلدان العالم الإسلامي لا يستطيعون إقامة ألسنتهم بكتاب الله، ويخطئون في تلاوته أخطاء كثيرة وجسيمة، فيسبب ذلك لهم حرجاً يدفعهم إلى هجر كتاب الله والإعراض عنه، وفي هذا ما فيه من الخطر الشديد والضرر العظيم إذ لك أن تتصور ما يصيب الأمة إذا انقطعت صلتها بمصدر عزتها وسعادتها ومجدها.
لهذا راوَدَتْ بعضَ العلماء والمصلحين فكرةٌ صائبة وحل سليم، لهذه المشكلة وهي إجراء إصلاح في الرسم العثماني بكتابته بحسب الإملاء الحديث، فيقرأ المسلمون كتاب ربهم كما يقرؤون كل ما يصادفون من الكتب المدرسية وغير المدرسية، والصحف والمجلات ووسائل الثقافة المختلفة، واللافتات بسهولة ويسر، فيكتبون الكلمات المكتوبة بالرسم العثماني هكذا (الصلواة لشىء، لا أذبحنه، ننجي) . يكتبونها حسب الإملاء الحديث هكذا: (الصلاة، لشيء، لأذبحنه، ننجي) فيخلصون بذلك من هذا التعارض والاختلاف والازدواجية في الكتابة، وبهذا تزول عقبة من أكبر العقبات دون إتقان الناس تلاوة كتاب ربهم وإقبالهم عليه وإفادتهم منه.