العنوان: الأَلُوكَةُ الخَالِدَة
رقم المقالة: 1816
صاحب المقالة: أحمد حمودة
يَنْتَكِئُ الجُرحُ القديمُ، ويَرْزَحُ القلب تحت همِّه المُضْنِي كلَّما شاهَدَ الهُوة تتَّسع، والقطيعةَ تَحْتَدُّ بين الأوائل والأواخر، لقد تَرَكَ لنا الأجداد تُراثًا بلغَنَا منه شيءٌ ليس بالقليل، فيه تمثيلٌ كافٍ لعلوم القوم وفِكْرهم، وتاريخهم، وحضارتهم، وفُنونهم، وصنائعهم، وسائر شؤون معاشهم.
هذا ما بقي لنا من إرث الجدِّ القديم بعدَ أن نازعَنا فيه كلُّ قاصٍ ودانٍ، وهو حظٌّ عظيم إنْ أَحْسَنَّا تَقبُّلَهُ والانتفاعَ به، وليس هذا موضِعَ القطيعةِ، ومحلَّ الاغتراب؛ بل ما نَعنِيه ونُومِئُ إليه هو اغتراب الرُّوح، وقطيعة الحِسّ والشعور.
إنَّ أكثرَ مُثَقَّفِينا - ومُثَقَّفُونا قليلٌ - يَقْرَؤُون للأجداد أو يَقْرَؤون عنهم، لكنَّ أحدًا لا يَقْرَأ رُوح الأجدادِ، أو يَحْيَا بحياتهم، ويَتَنَفَّسُ بأَنْفاسِهِمْ.
إنَّنا نَقْرَأ تُراث آبائنا قراءةً عَجِلَةً.. آليةً.. مُسطَّحَةً، تَلْمَسُ أَعْيُنُنا الزائغةَ فيها أطرافَ الكلام؛ فلا تَنْفُذُ إلى رُوحه، ولا يَنْفُذُ إلى أرواحها.
فَبَيْنَنَا وبين آثارِهم من جفاف الطَّبْعِ، وبَلادة الحِسِّ سَدٌّ مَنيع، وحجاب حاجز.
تَرَكَ لنا القوم كَنْزًا كبيرًا.. لم يَدْفِنُوهُ، ولم يَسْحَرُوهُ، أو يَرْصدوا له من الجِنِّ رَصَدًا. كَنْز مباح مفتوح؛ لكنه أَشْبَهُ شيءٍ بالمغلق الممنوع، إذ لا يراه ويَفْطِنُ لمكانه إلا مَن تَجَشَّم مَيْدانه، وألقى عليه جِرَانَه، فأخلصَ النَّظَرَ، وأَحْسَنَ الوِرْد والصَّدَرَ، وإلا فلن يُبْصِرَهُ ولو حَشَا عَيْنَيْهِ كُحْلاً، ولن يَعْقِلَهُ ولو حَكَّ بِيَافُوخِه السماء.