فهرس الكتاب

الصفحة 3592 من 19127

العنوان: التأسيس الفكري (5)

رقم المقالة: 1137

صاحب المقالة: د. عبدالكريم بكار

تَقَبُّل الاختلاف

لا أخاف أبدًا مِن اختلاف أهْل العِلْم المُحقِّقين أهلِ الوَرَع، والباحثين عَن الحق والحقيقة؛ لأن الأصول التي تَجمَعُهم، والخَلفِيَّات العِلمِيَّة المشترَكة التي ينطلقون منها تجعل اختلافَهم محصورًا، وقابِلاً للتفسير والنِّقاش. وهم يَعرِفون مِن خلال خبرتهم بأصول الاجتهاد، ومواردِ الأدلَّةِ، وطبيعة فَهْمِ الأشياء، أنهم لا يَنطِقون بأقوال وأحْكَام قَطعِيَّة، ورَحِمَ اللهُ الإمامَ الكبيرَ محمدَ بنَ إدريسَ الشافعيَّ حين قال:"مَذهبُنا صوابٌ يَحتَمل الخطأَ، ومَذهبُ غيرِنا خطأٌ يَحتَمل الصوابَ".

وهذا القولُ في المسائل الفقهية، أمَّا في المسائل الحضارية وكُلِّ ما يَتَّصِل بتفسير التاريخ والواقعِ وما يَتَعلَّق بالتخطيط للمستقبَل؛ فإنَّ الأمر أوسعُ من هذا بكثيرٍ؛ فقدْ يَختَلف اثنان مِن المُتخصصِينَ في أَمْرٍ، ويكونُ مع كُلِّ واحدٍ منهما شيءٌ مِن الحق، وقد يكونان على خَطأٍ، والصوابُ مع شخص ثالث، وقد يَختَلف بعضُ أهلِ العِلْم والتَّخصُّصِ في أَمْرٍ لمْ يَختَلفْ فيه مَن سَبَقَهم؛ ولهذا فإنَّ على أهل الفِكْر والدَّعوة والتاريخ وعُلماءِ الحضارة أنْ يَكُونُوا مُتسامِحِينَ مع الاجتهاداتِ التي تَصْدُر عَن بعضِهم، ما لمْ تُصادِمْ إجْماعًا أوْ نَصًّا قَطْعِيًّا في ثُبُوته ودَلالَتِه، وهذا في المسائل الحضارية قليلٌ جدًا، بل نادرٌ.

لاستيعاب هذه الفكرةِ: انظر إلى اختلاف فقهاءِ الإصلاحِ والنُّهُوض الحضارِيِّ حين يَتحَدَّثُون عَن أوْلَوِيات التغيِير، وأنَا هنا لا أتَحدَّث عَنِ المُصلِحِين الذِينَ يَنتَمُون إلى مِلَلٍ شَتَّى أو مَذاهبَ مُتباعدةٍ، وإنَّما أَتَحدَّثُ عَنِ المُصلِحِينَ الذِينَ يُفكِّرون ويَتحَرَّكون في إطار أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت