العنوان: تجارة العلماء
رقم المقالة: 1662
صاحب المقالة: محمد يوسف الجاهوش
حدث علي بن الفضيل بن عياض قال: سمعت أبي يقول لعبدالله بن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلّل، والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟
قال ابن المبارك: يا أبا علي، إنما أفعل هذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين على طاعة ربي.
قال: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا، إن تم ذا. (سير أعلام النبلاء جـ 8 ص 387) .
ما فَقِهَ الإسلامَ مَنْ ظَنَّ أنَّ الزهد والفقر صنوان، فالمؤمن مطالب بالسعي والكدح، وطلب الرزق من كل طريق حلال، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15] ، والضرب في الأرض - طلبا للرزق ليصون المرء وجهه، ويعف عياله - عبادة وقربى إلى الله عز وجل، تَفْضُل الانقطاع إلى نوافل العبادات، والمداومة على الذكر وتلاوة القرآن.
بل إنَّ الله - عز وجل - عذر هذا الصنف من المؤمنين إنْ هم أجهدهم التماس الرزق وأعْجَزَهُم عن أداء النوافل، كما عَذَرَ المَرْضَى والمجاهدين في سبيله سبحانه وتعالى {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} . الآية [المزمل: 20] .
فالإسلام جاء لعمارة الأرض، واستخراج خيراتها، واكتشاف كنوزها، وتسخيرها، لكل ما يعود على الأمة والأفراد بالنفع والرخاء، وازدهار الحياة.
ولا يستطيع الإنسان العيش من دون مورد مالي، يسد حاجته وحاجة من يعول، وليس أمامه لتحقيق ذلك إلا سبيلان لا ثالث لهما:
إما أن يسعى ويجهد نفسه، ويبذل وسعه، ليؤمن ذلك لنفسه وعياله.
وإما أن يَمُدّ يده، ويبذل وجهه، وينتظر هبات الحكام أو صدقات المحسنين.