العنوان: أشواقُ الأبحدية... وهُتاف الدموع
رقم المقالة: 1857
صاحب المقالة: بدر بن محمد عيد الحسين
غرّدَ بُلبلُ نفسي الحبيس، وراحَ يتنقّل من حسّ إلى حسّ ، ففاحت ورود الرحمة و الجمالِ في جوانحي، وأيقظت الشرايينَ الوسنى والأخيلة الناعسة، فتحفّزت مشاعرُ الفرح في أرجاء كياني، صارت كفراشةٍ تائهة تلاحقُ خيوط الضياء ....وكعينٍ عاشقة انسربت روعة الطبيعة في أهدابها، وتغلغلت في أحداقها. كبرادة حديدٍ تنجذبُ نحو مغناطيس
مشيتُ إلى هناكَ حيثُ أرادَ البلبل الجريح...جلستُ فوق مرج العشب الأخضر، وفتحتُ شبابيك نفسي، ونزعتُ القيود عن لغتي فراحت الحروف تتقافز كالعصافير، يُضاحكُ بعضها الآخرَ فتارةً تُنشدُ شعرًا، وتارة أخرى تُبوحُ نثرًا، وترتفع في الأفق، وترتفع حتى لتكادُ أجنحتها تلامسُ السّحب البيض فتسبّحُ الخالق وتعود...
كانت لغتها ساحرة وهي تحلّقُ في الفضاء، وتغتسلُ بنسائم المساء، وتتندّى برحيق السّحاب..
وكانت تنتظمُ الخميلةَ رهافةُ الإحساس وتناغمُ الأجناس فكلّما غرّدت البلابل فوق الأفنان عبّرت الزهور عن فرحها، وراحت تُحمّل أشواقها أريجًا مندّى...فتصفّقُ الغصون وتطرب، وتَأنسُ السّاقية الحالمة فتضمّ رسالةَ الأصيل، وتُرسلها قصيدةَ عشق عبرَ خريرها المتناغم
يا للهِ ما أحلى تلكم الحروف التي تبرُق كاللآلىء، وتسبَحُ كالأفلاك، وتطيرُ كالكناري، وتفوحُ كأوراق الياسمين، وتُمتّع الناظَر كأوراق الزنابق ذات الخضرة الداكنة....وأنا أتساءل كيف أنّ هذه الحروف لم تبرُق ولم تَسْبَح في كياني... هل تحوّل جسدي إلى زنزانةٍ مُخيفة ؟..هل عَقِمَت أفكاري عن بثّ الفرح في ثنايا تلكم الحروف ؟ أم أَنَّ مرآة فكري صَدِئت فلم تَعُد قادرة على تمييز الحُسن الذي يتهلل من قسمات وجهها، وينسابُ روعة من ضفائرها...؟