العنوان: التاريخ الهجري واستقلالية الأمة
رقم المقالة: 1951
صاحب المقالة: د. أحمد عبدالحميد عبدالحق
أهل علينا قريبًا العامُ الهجري الجديد -الذي نسأل الله أن يكون عامَ خير على أمة الإسلام جميعا- ليذكرنا باستقلالية الأمة الإسلامية، تلك الاستقلاليةُ التي أراد الخليفةُ الثاني للمسلمين عمرُ بن الخطاب أن يؤكدها بإعلان التأريخ الهجري تأريخا خاصًّا بالمسلمين، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ستَّ عشرةَ أو سبعَ عشرة للهجرة.
فقد جاء عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جمعَ الناسَ (وكان لا يقضي أمرًا دون مشورتهم) ، فأخبرهم عن رغبته في اتخاذ تأريخ خاص بالمسلمين، ثم سألهم فقال: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال علي -رضي الله عنه- من يوم هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وترك أرض الشرك، فرضي ذلك المسلمون [1] .
وقيل: إن بعضهم قال: أرِّخْ لمبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال بعضهم: لمهاجَرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن مهاجَره فرق بين الحق والباطل [2] .
ولا يعني ذلك أن الأمة الإسلامية كانت مهادنة أو مذابة في الأمم الأخرى من قبل، كلا، بل بدأت استقلاليتُها قبل ذلك بكثير، فاستقلاليةُ الأمم لا تتم بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج سنين وسنين، تمامًا كالطفل الذي ينمو شيئًا فشيئًا حتى يبلغ أشده، وتلك سُنة لم يهملها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يخرق اللهُ له نواميسَها.
ولذلك وجدناه صلى الله عليه وسلم يبدؤها متدرجًا بالعزلة الشعورية في مكة، يوم أن أمره الله -سبحانه وتعالى- بهجر الأوثان والأصنام في قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] .