العنوان: التأسيس الفكري (2)
رقم المقالة: 977
صاحب المقالة: د. عبدالكريم بكار
لا يجادل أحدٌ في الإمكانات الهائلة التي زودّ الخالقُ - عزَّ وجل - بها أدمغةَ البشر، فهي ثروة كبيرة، لا يعرف معظمُ الناس كيف يستثمرونها، أو يديرونها، حتى إن بعض البحوث والدراسات تشير إلى أن ما استُخْدِمَ من إمكانات العقل البشري؛ لا يزيد عن 1%..
لكن -مع هذا كله- هناك حقيقةٌ جوهريةٌ، ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا، وهي أن العقل البشري مفطور على العمل، بوصفه أداة في يد المبادئ الكبرى، وهذا ما يشير إليه المغزى الذي نستشفّه من قول الله تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [1] .
حيث إن الله -سبحانه- أرسلَ الرسلَ وأنزل الكتبَ؛ من أجل دَلالة الناس على طريق الرشاد، ومن أجل تمليكهم الغايات الكبرى والمبادئ العظمى، التي يحتاجون إليها في فهم الوجود، وفهم دورهم في هذا الوجود، وفي علاقتهم به..
ومن غير تلك المبادئ؛ فإن أذكى العقول، وأعظم العبقريات؛ تجد نفسها مرتبكة في فهم الحياة، وفي التحرك فيها.
هذا الكلام لا نقوله من باب الدعاية أو الترويج لضرورة الالتزام بالمنهج الرباني الأقوم، ولو أننا قلناه من أجل ذلك؛ فلا غضاضة علينا فيه، كما أننا لا نريد من ورائه الحطَّ من قيمة العقل والإزراء به؛ وإنما نريد توضيح العلاقة التي تربط العقل بالوحي.
لو رجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن هناك مئات الألوف من العقول الذكية والجبارة، التي نظرت في غاية وجود الإنسان على هذه الأرض، وفي مصيره بعد الموت، كما نظرت في طبيعة الخير والشر، وفي الحقوق المدنية التي تترتب على اجتماع الإنسان بأخيه الإنسان، وكانت النتيجة مخيبة للآمال! أقوالٌ وآراءٌ وتشعيباتٌ لا تحصى، لكن يضرب بعضها بعضاً، وهي -جميعاً- تخبرك عن الاضطراب والضياع والحيرة...