فهرس الكتاب

الصفحة 3581 من 19127

إذا أردت أن تعرف صدق ما أقول؛ فانظر في كتب الفلاسفة، القديم منها والحديث، لترى العجب العجاب.

انظر -مثلاً- ما كُتب في مسألة الحرية الشخصية، وانظر ما كتب في علاقة العدل بالحرية، وفي مسائل الإدارة، ومدى مسؤولية المرء عن أفعاله، وعلاقة الغايات بالوسائل.. وستجد أن تلك العقول الكبيرة، التي بحثت في القضايا الكبرى؛ لم تستطع حسم أي نزاع، ولا الوصول إلى أي مفاهيم صلبة أو قاطعة، وقد انتهى الأمر ببعض الكتاب المعاصرين إلى اليأس من الوصول إلى اليقين، فجعل يزعم أن صحة العقل ليست الوصول إلى الحقائق، وإنما هدم المقولات الزائفة، ومحاولة إنتاج مفاهيم جديدة تلوكها ألسنة الجيل اللاحق!!

إن مما يدهشني ذلك التكامل الواضح بين الوحي والعقل، حيث إنك تجد أن ما لا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة؛ جاء في الشريعة السمحة مفصلاً غاية التفصيل، وهذا ما نجده على نحو جلي جداً في العقائد والعبادات، حيث لا يجد المسلم نفسه مضطراً إلى أداء فريضة الحج مرتين في العمر، أو إلى أداء صلاة المغرب ركعتين أو أربع ركعات...

إن التفصيل الدقيق الواسع في مسائل العبادات يعدُّ إعلاناً صريحاً بعدم الحاجة إلى تدخل العقل وإلى الاجتهاد؛ حيث لا دواعي تدعو إليه، ولهذا قالوا: إن العبادات تعبدية.

أما ما كان يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ فقد جاء في الشريعة مجملاً، حيث تجد في أحيان كثيرة، سوى بعض المبادئ الكبرى والتوجيهات الهادية، وذلك مثل تنظيم الشأن السياسي والإداري للدولة، ومثل النظم التي تحتاجها الحياة اليومية والعلاقات الدولية...

وذلك الإجمال دعوةٌ صريحة للعقل؛ كي يمارس دوره، ويُظهر إبداعاته، في إطار التوجيهات العامة والخطوط العريضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت