العنوان: أحمد راتب النفَّاخ شيخ العربيَّة في بلاد الشام في ذكراه العاشرة
رقم المقالة: 425
صاحب المقالة: د. محمد حسان الطيان
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}
مرت على وفاة شيخنا النفّاخ [1] سنوات عشر كأنها دقائق عشر، فلم يزل الرجل ماثلًا في الأذهان، حاضرًا في الكِيان بما حواه من علم، وما زرعه من مُثُل، وما خلّفه من آثار، وما بناه من رجال، وما وقف من مواقف، بل لن يزال كذلك ما بقي لساننا يلهج بالعربية، وما بقي قلبنا يخفق بحب العربية.
فقد عاش ما عاش لهذه اللغة، لا يكاد يخرج منها إلا إليها، ولا يرى نفسه إلا فيها، ولا ينقلب عنها أو يلتفت عن محبتها', أو يتقاعس عن الجهاد في سبيلها.
حمل رايتها رَدَحًا من الدهور هو كل ما كتب له أن يعيش في دنيا الناس، وتولّى الذود عن حياضها، والبحث في دقائقها، واكتناه أسرارها وخباياها، واجتلاء معانيها ومبانيها. لم يصرفه عنها صارف، ولم يلتوِ له فيها طريق، ولم يلذَّ له دونها مطعم ولا مشرب، ولم يبال ما أصابه من أذيةٍ في سبيلها. فهو هي، وهي هو، إنها قضيته التي عاش لها ومات لها، ولقي ما لقي من أجلها، وتلبّس بعزّتها وشموخها ولسان حاله يردد قول القاضي الجرجاني:
يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما رأوا رجلًا عن موقف الذلِّ أحجما
أرى الناس مَنْ داناهمُ هانَ عندهم ومن أكرمتْهُ عزّةُ النفس أُكرِما
إذا قيل هذا مشربٌ قلتُ قد أرى ولكن نفسَ الحرِّ تحتملُ الظما
ولم أبتذِل في خدمة العلم مهجتي لأخدمَ من لاقيتُ لكنْ لأُخدَما
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ولو عظّموه في النفوس لعُظِّما
ولكن أذلّوه جهارًا ودنَّسوا محيَّاه بالأطماع حتى تجهَّما
ترفع وشموخ: