العنوان: حنين الغرباء
رقم المقالة: 1928
صاحب المقالة: محمد يوسف الجاهوش
تأتي إجازة الصيف، لتكون محطة راحة واستجمام من عناء عمل وكدح طوال ما سبقها من شهور العام. والناس - كشأنهم في كل شيء - مذاهب شتى في قضاء هذه الإجازة، فمنهم: من يقضيها في بلده، بين أهله وأصحابه، قانعاً بما أتيح له من وسائل الراحة والهدوء، ومنهم: من يشد الرحال إلى جهات متعددة، كل يَنشُد راحتَه ومتعته بالطريق التي تروقه وترضيه، فيعود المغتربون إلى أوطانهم، ليسعدوا بلقاء الأهل والأحبة، والصحب والخلان، ويجددوا ما انقطع من عهود الوداد، ومجالس الوفاء، وذكريات الطفولة والشباب، فينسون عناء العمل، ومشقة الأسفار، ووطأة الاغتراب، فيرجعون خلقاً آخر لا عهد له بتلك المتاعب والهموم.
ومن الغرباء: أناس {أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} ، وحُرموا نعمة العودة إلى الأهل والديار، من غير ذنب ارتكبوه، ولا جرم اقترفوه! فهم - لذلك - في غربة دائمة، وهمِّ مقيم، وشوق إلى الأوطان موصول، لا ينقطع ولا ينسى؛ لقد استعصى على الأيام أن تبدله، وتأبَّى على الأحداث أن تغيره، فهو في القلوب محمول وفي الصدور مكنون، سواء - في ذلك - أظعن صاحبه أم أقام، سرَّه الدهر أو جاء بما يسوء.
وترى فريقاً منهم - لشدة الشوق والحنين - يشدون الرحال لزيارة الأقطار المجاورة لأوطانهم، يؤملون أن تصلهم نسمة من هوائها، أو نفحة من عبير ورودها وأزهارها، مما لا تستطيع الحدود حجبه، ولا القيود منعه وحبسه..
وصاحبنا (أبو البراء) : واحد من هؤلاء الناس الذين لم ينسهم طول البعد، ولا رخاء العيش في المهجر دياراً ولا أهلا، وهذا ما دفعه لقضاء إجازته في قُطر متاخم لمسقط رأسه، ومرتع شبابه، عساه يحقق بعض ما حرمت نفسه من واعد الأحلام وعذب الأمانيِّ!