العنوان: الأمومة
رقم المقالة: 423
صاحب المقالة: بدر بن محمد عيد الحسين
لكم تساءلت عن ماهيَّة أحاسيس الأم، وعن سِرِّ جوهر قلبها الرَّفيع، وعن دفء شمسها التي لاتغيب، وروعة أيكها الزَّاهي الذي لا يذبل، وصِدق مشاعرها التي لا تفتُر ولا تَمَل إذ تُفيضُ الحُبَّ من جنباتها ومن باطنها كعين ماءٍ ثَجَّاجة وكمشكاةِ نورٍ وهَّاجة. ولكنني لم أحصل على مُبتغاي، لأنَّ المادَّة التي أبحث عنها تَجِلُّ عن الوصف، وتسمو عن الرؤية، فَهيَ بِنظري عُصارة المبادئ والقيم والمثل مجتمعة، وخلاصة رحيق الزُّهور، ورِقَّةُ تغريد العصافير وشدو البلابل . أراها في البخور الذي يحترق لِيَنشر الطيب، وفي الشمعة التي تذوب لِتبدد الظلام، وفي الجسد الذي يتألَّم لِيَهَبَ السَّعادة للآخرين وفي السَّحابة التي تُمزِّق نفسها وتُبدِّدُ عِهنَها لتروي الأقاحي العطشى. إنها البدر المكتمل الذي تفتَلِذُ الليالي والأيام من كبده القطعة تلو القطعة حتى إذا ما تلاشى عادَ لِيَنسُجَ خيوطَ نوره من جديد لِينير دروب المسافرين في أحضان الدفء والمدلجين في رحاب الفضيلة .
إنَّ الأمومةَ عطاءٌ مع العناء وسخاءٌ مع الابتلاء وتضحية مع الرجاء . الأمومة فيها بَصمة من النَّبوة تتجسَّد في الرِّضا الداخلي عن الولد العاق، وفيها أثرٌ عظيم من آثار رحمة الخالق عزَّ وجل في حُنُوِّها على وليدها، تلكم الصورة النبيلة التي تمثِّل أنقى صُور التَّضحية وأعلى مراتب الحب.وإذا ما اكْتَنَهْتَ باطنَ الأمومة التي يَلِجُّ بها الشوق إلى الحنان والبنوة لوجدت أن ثغرها يَفترُّ عن الأنوار افترار الرحيق عن الزَّهر الذي كأنما يَنْفَحُ من الجنَّة، وافترار النَّدى عن نسيم الصَّبا الذي يُفعِمُ كل ماحوله عِطراً، ولوجدت أنَّها سَيلٌ عاشقٌ يعتلي صهوة الأرض فَيقَبِّلَ التراب وأكمام الزَّهر وخدود الثَّمر وأغصان الأشجار.