الأمومة ألوانٌ جميلة متعددة تفوق عدد تلك التي في الرياض والخمائل فهي كالشاعر الذي يَتَنقَّل بين أفنان اللغة تنقَّل العصفور مابين الورود فَيَقطِفُ من هنا زهرة ومن هناك يتأمَّل صورة ويستوحي فكرة.فللأمومة في كل يوم طعم جديد ولون جذاب مختلف فَهي ماءُ نهرٍ جارٍ ونبعُ ماء لا يُكرر ولا يسترجع القطرات التي يَهَبُها للأرض العطشى.
الأمومة أصلٌ والأبوة صورة عنها لأن الأمومة مهامسةٌ للمحبوب وملامسَةٌ له إذ تَختَلطُ الأم وتمتَزج مع جنينها مخالطة الشذا للورد فَتدخل في نِقْي عظامه وفي بؤبؤ عينيه وتسكن شغافَ قلبه وتحوكُ أنسجةَ جلده وكريات دمه بقدرة الله ومشيئته.هذا في العالم الجوَّاني، أما إذا ما انفصلت العروة وانسَلَّ السنا من حضن الشمس والضياء من وجه القمر وتفتَّق الزهر عن الغصن وانبجس الماء من الرابية وتفجَّر الينبوع من الخميلة فَإنَّ ربيع الحُبُّ سَيُنشِدُ أنشودة العشق ويملأ أديمَ البشارة بأنواع الزهر أبيضه وأصفره وأحمره.فالأبوَّة أشبه بمن يقرأ مقالةً عن الرَّبيع بينما الأمومة هي الربيع ذاته والأبوة أشبه بمن يقرأ قصيدة عاشقٍ مُدنَف ولهان ولكن الأمومة هي نقاط القصيدة وحروفها ورويها وقافيتها وهي أيضاً بحرها وشاطئها.
الأب يَفرحُ بِقدوم المولود فَرَح المزارع بموسم الحصاد وفَرَح التَّاجِر بِربح الصفقة ولكنَّ الأم تَفرحُ بمولودها فَرَح الحبيب بِلقاء محبوبه وفَرَح الأرض بعناقِ الغيث وتسعَد سعادةَ البلبل الذي فُتِح له باب القفص وراح يُرفرف فوق أرجاء البساتين والروابي.إنَّ شميم مولودها يفوق أطيب العبير، إنَّها رَجْعُ عَرف الجَنَّة ونقاءُ ماء الكوثر.