العنوان: معلِّم لا يُنسى
رقم المقالة: 809
صاحب المقالة: أيمن بن أحمد ذوالغنى
إنَّ من نعَم الله السابغة عليَّ أن سَنَّى لي - في مراحل التعلُّم الأُولى - التلمذةَ لعدد من معلِّمي العربيَّة المخلصين المجيدين، غَرسوا في نفسي حبَّ العربيَّة، ونثَروا فيها بُذورَ تذوُّق فصيح الكلام (شعرًا ونثرًا) ، وإدراك جَماله، والتأثُّر بمعانيه، فجزاهُم الله عنِّي خيرَ الجزاء؛ كِفاءَ رعايتهم وحسن تعهُّدهم.
ومن هؤلاء المعلِّمين المقتدرين أستاذٌ له عليَّ منَّة وفضل، علَّمَني في بداية المرحلَة المتوسِّطة (الصفَّين الأوَّل والثاني) ، وتركَ في خَلَدي أثرًا طيِّبًا عميقًا، هيهات أن يُمحى.
إنه الأستاذُ الكبير والمربِّي الفاضل أحمد قَبِّش، صاحبُ التآليف النافعة الممتعَة، كان يومذاك شيخًا على عَتَبة الستِّين، وكنتُ وزملائي بين يدَيه أطفالاً صغارًا كبراعم الزَّهر، فكان يأخذُ بأيدينا ويمضي بنا في رحاب العربيَّة رُوَيدًا رُوَيدًا، باذلاً وُكْدَه في تقديم المادَّة لنا بأُسلوب سهل محبَّب، ولا تنتهي الحصَّة إلا وقد وَعَينا الدرس، وحَفِظنا المقرَّر، نعم لا تعجَبوا، فقد كان يَجهَد في إفهامنا، ولا يفتأُ يكرِّر القاعدة، ويُكثر من عَرض الأمثلة والشَّواهد، حتى نحفَظَها عن ظهر قلب، وهو يَهدِرُ بكلِّ ذلك بحيويَّة وحَماسة، حتى لنكادُ نسمعُ خفقَ قلبه.
وممَّا لا أنساهُ له: ما كان يكلِّفُنا به من تعبيرٍ بالرسم عن بعض مَشاهد دروس القراءة، ولسائلٍ أن يسألَ: وما علاقةُ مادَّة اللغة العربيَّة بالرسم؟! أوَليسَ للرسم حصَّةٌ خاصَّةٌ به؟! وأقولُ: بلى، ولكنَّ الأستاذَ كان حريصًا كلَّ الحرص على أن ينمِّيَ فينا الحسَّ الفنِّيَّ؛ بالتعبير عن الأفكار بالخُطوط والأشكال، وفي ذلك ما فيه من تنشيطٍ لملَكَة التخَيُّل، وشَحْذٍ لها، وتعميقٍ للفكرة في نفوسنا، حينما نجَسِّدها لوحةً منظورة.