العنوان: التأسيسُ الفكري (8)
رقم المقالة: 1549
صاحب المقالة: د. عبدالكريم بكار
الحَفْر المعرفي
حين يتفتح وعيُ الواحد منا على هذه الحياة يكونُ أشبهَ بمن يحاولُ معرفةَ ما بداخل صندوق مغلق، ويقضي بعد ذلك عُمُرَه وهو يحاولُ استيعاب ما في داخل ذلك الصندوق، ويكشفُ في آخر المطاف -وقبل أن يودع هذه الحياة- أنه لم يعرفْ إلا القليل، كما قال سبحانه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء: 85] ، كما أن كثيراً مما عرفه ليس موثوقاً بالقدر الكافي.
ومع كل هذا فليس أمامنا سوى خيار واحد؛ هو متابعةُ البحث والتنقيب عن الحقائق، ثم العمل على ربطها وتحليلها واستخلاص المفاهيم الكبرى والملاحظات الذكية من كل ما يصبح في حوزتنا.
من المهم دائماً أن يعرفَ الباحثون نقاطَ ضعفهم، وأن يعرفوا حدودَ اجتهاداتهم، وطبيعة الرؤى والآراء التي يتوصلون إليها، ومدى قربها من الحقائق المطلقة.
ولعلي أشير هنا إلى بعض ما يساعد على الوصول إلى الحقيقة عبر الحروف الصغيرة الآتية:
1 -مع التقدم العلمي الهائل الذي يشهدُه زمانُنا، ومع سهولة الوصول إلى المعلومات صرنا نشعرُ بشيئين بينهما نوع من التقاطع أو التناقض:
الأول: هو وفرة المعلومات إلى درجة الشعور بالعجز عن الاطلاع عليها، فإذا دخلت على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) وبحثت - مثلاً - عن مسؤوليات الداعية أو المثقف فإنك ستجد مئات المقالات التي تتحدث عن هذا الموضوع، مما يعني أنك ستحصل على كم كبير من المعطيات والأفكار والمفاهيم التي تساعدُك على فهم الموضوع، وهذا شيء إيجابي جداً، لأننا لو عدنا إلى الوراء ستين سنة، فربما لم نجد بلغتنا إلا مقالتين أو ثلاثاً!
الثاني: هو أننا -مع وفرة المعلومات- لا نشعر أننا بلغنا برد اليقين، أو الطمأنينة المعرفية، ولا نشعر أننا فعلاً عرفنا على وجه جيد مهماتِ الداعية ومسؤولياته! لماذا يحدث هذا؟