فهرس الكتاب

الصفحة 3606 من 19127

إن الكم الهائلَ من الأفكار والمعلومات والمقترحات لا يسيرُ في خط واحد، ولا ينطلقُ من مسلمات واحدة، فهذا باحثٌ يطالب الداعيةَ بأمور ومواقف، لا يطالبُه بها باحثٌ آخر، وتجد باحثاً ثالثاً يُخطّئ الدعاة إذا قاموا بما طالبهم به باحثون آخرون... وهكذا فكثرةُ الأفكار تزيد في حيرتنا، وتجعلُ كل ما نقوله كلامًا مكرورًا سبقنا إليه غيرُنا. هذا يعني أن الحقيقة لا تزداد مع الأيام تألقاً كما يفترضُ بعضُ الباحثين؛ لأن العلوم الإنسانية لا تتقدم كما تتقدم العلوم الطبيعية؛ فعلماءُ النفس مثلاً يصلون إلى إجابات جيدة لكثير من الأسئلة، ولكن تلك الإجابات نفسها تطرح تساؤلات جديدة، تحتاج الإجابة عنها إلى بحث جديد وهكذا... الذي لا يعرف هذه الإشكاليةَ يعتقدُ أن الباحثين اليوم عباقرةٌ ومبدعون، أو يعتقد أنهم أقرب إلى الغباء؛ لأنهم لم يحلوا أي مشكلة من المشكلات، إذن كل المعلومات المتوفرة لن تمنحنا اليقين، ولن تجعلنا نقبض على الحقائق، وإنما ستكون بمثابة الأنوار الكاشفة التي تضيء المكان، وعلينا أن نبصر ونفكر ونعتقد ونرجح، كما كان يفعل السابقون، لكن ربما كانت المساحات التي نراها أوسع من المساحات التي رأوها، وربما نكون قد تخلصنا من بعض الأوهام التي سيطرت عليهم بسبب ضعف تنظيم المعرفة في زمانهم، وبسبب ضآلة ما تراكم منها لديهم؛ لكن هذا لن يعصمَنا من أن نقع في أوهام جديدة، أو نقع في أوهام وقع فيها من سبقنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت