العنوان: الوضوح و الغموض في الأدب الإسلامي
رقم المقالة: 482
صاحب المقالة: د. محمد سليمان
ظاهرة الوضوح والغموض ظاهرة قديمة جديدة، ترتبط بمرجعيات نقدية كثيرة، لعل أهمها الزمان والمكان، فما كان بالأمس غموضاً قد يُرى في زمان ومكان آخرين غير ذلك, أما في البُعْد الخاص للظاهرة، فهناك ثقافات متنوعة ومختلفة في آنٍ واحد، فقد يرى شخصٌ غموضاً في إبداع ما، ويراه آخر تفوقاً وسمواً.
ومن هنا دفعتني هذه الآراء لأبين شيئاً عن هذه الرُّؤَى النقدية، ولاسيما أن كثيراً من النقاد اليوم يرمون الأدب الإسلامي بالمباشرة والوضوح الممجوج، الذي يعود بالأدب إلى عصر الجمود.
وفي هذا السياق يجب أن يُنظر إلى الغموض في الأدب الإسلامي من خلال الهدف الرئيس الذي يَنشده هذا النموذج الأدبي؛ وهو نشر الفضيلة بجميع صورها، وتشجيع صاحبها، وبث كلماته في الوجود؛ لتكسب السعادة والرضا للبشرية، وبهذا؛ لا نركض خلف الوضوح الفاضح - كما يظن بعض الأدباء والنقاد المهاجمون لفكرة الأدب الإسلامي - وإنما نرنو إلى الغموض الشفّاف، الذي يحتاج إلى شيء من إعمال الفكر.
وبذلك لا نقع في أدبنا تحت مظلة من قال في أدبهم الجاحظ:"ما كان سهلاً، ومعناه مكشوفاً بيّناً؛ فهو من جملة الرديء المردود"، ولا نجلس في دروب غلوِّ أبي تمام في غموضه؛ كما قال المَرْزُبانِيُّ في"موشَّحه":"إن كان هذا شعراً؛ فإن ما قالته العرب باطل"!! وأسوق على ذلك مثلاً من قصيدة للشاعر العشماوي يقول فيها:
أَبَى الْمَجْدُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِعَاقِلِ إِذَا زَمْجَرَتْ فِي الأَرْضِ رِيْحُ النَّوَازِلِ
وَأَقْسَمَتِ الْعَلْيَاءُ أَنَّ بُلُوغَهَا مُحَالٌ عَلَى أَحْلاَمِ كُلِّ مُخَاتِلِ
وَأَقْسَمَ ثَغْرُ الشَّمْسِ أَنَّ ضِيَاءَهَا يَضِيْقُ بِذِكْرِ الْوَاهِنِ الْمُتَخَاذِلِ