العنوان: حمَّام بارد
رقم المقالة: 483
صاحب المقالة: محمد سعيد المولوي
كانوا ينادونه أبا عصام أو الضاحك؛ فإنهم لم يروه أبداً عابساً أو مقطباً أو هائجاً أو ثائراً أو غاضباً، بل كان دائماً مبتسماً وضاحكاً، وكان يطل بوجهه الطلق على أفراد مخفِر الشرطة الذي يعمل فيه فيلقي التحية على الحاضرين والابتسامة تملأ فمه، ثم يمضي يمازح هذا ويلاطف ذاك ويضاحك ذلك ويلقي نكتة هنا وطرفة هناك فيثير الضحك وترتسم على الشفاه والوجوه الفرحة.
كان مسؤولاً عن قسم الحراسات في الشرطة، وكانت العادة في دمشق أن يكلَّف أحد رجال الشرطة بمراقبة وحراسة حي من أحياء المدينة خشية اللصوص أو التعرض للمارة، وكان ذلك الشرطي يسمى الحارس ويمضي الليل من مغيب الشمس حتى شروقها، يتجول في الحي يتفقد أبواب البيوت وأقفال المحالِّ المغلقة؛ خشية أن يكون أحدهم نسي إغلاقه ولم يحكم إقفاله، ويتفحص المارة فإن رأى أحداً لم يعجبه أو أثار الريبة في نفسه استوقفه وسأله عن اسمه وهويته ومقصده، وهو طوال الليل ينتقل من مكان إلى مكان في الحي يطلق صفارته وكأنه يقول: أنا هنا فإياكم والغلط.
وكانت مهمة أبي عصام أن ينطلق من مخفِر الحراسات فيطوف على الحرَّاس بعد أن يكون قد مضى هزيع من الليل ويرى حسن أدائهم لعملهم ومن منهم مستيقظ ومن منهم نائم. كما يمضي في أطراف الحي متفقداً؛ زيادة في الحيطة، وكان كلما رأى حارساً سأله عن حسن عمله وعن أحوال الحي ثم وقَّع له في دفتر خاص يصف فيه إحسانه من إساءته؛ وإتقانه لعمله أو إخلاله فيه.