فهرس الكتاب

الصفحة 10699 من 19127

وكان لكل حارس كوخ صغير خشبي لا تتعدى مِساحته المتر المربَّع يضع فيه حاجاته وكرسياً صغيراً يستريح عليه بين الفينة والفينة إذا أحس التعب والإرهاق من الوقوف أو التجول. فإذا جاءت ليالي الشتاء القارصة وسقط المطر الشديد أو الثلج الكثيف التجأ إليه هرباً من البلل مدة قصيرة، فإذا خف الهطل عاد للتجوال.

ما عهد الحرَّاس من أبي عصام كلمة نابية أو لفظاً قاسياً أو أمراً متعسفاً فيه أو عقوبة مؤلمة مؤثِّرة، بل كان يكتفي بإسداء النصيحة بوجوب حسن أداء العمل، أو التحذير في حال الإهمال أو الخطأ.

فإذا ما تمادى الحارس في الخطأ أكثر من ثلاث مرات فإن عقوبة أبي عصام له لن تكون عقوبة عسكرية كما جرت العادة لدى الآخرين، ولكن بإيقاع الحارس في ورطة أو مأزق ينخلع له قلبه أو يفقد به صوابه أو يطيش عقله؛ كأن يختلس للحارس مسدسه وهو نائم فيجعله كالمجنون يبحث عنه لأن فقده يعني الطرد من الخدمة والسجن، أو يعمد إلى خلع حذاء الحارس بخفَّة ويدعوه للتفتيش؛ لذا، كان الحراس يخافون كيده و (( مقالبه ) )أكثر من خوفهم من أية عقوبة أخرى، وكانوا يحرصون على أداء عملهم وعدم النوم خشية أن يقعوا في أحد مقالبه. لكن حارساً واحداً استعصى على أبي عصام برغم التنبيهات العديدة والملاحظات المتكررة، فقد كان الرجل يحرس في منطقة حارة اليهود بدمشق، والبلاد آنذاك -في سنة 1948م- في حرب مع اليهود في فلسطين، وكانت الدولة تخشى أن يقوم اليهود بتفجيرات أو تخريب أو تجسُّس في المدينة، فكان همها تشديد المراقبة والحراسة وكان على الحارس أن يبقى مستيقظاً جوَّالاً طول الليل متيقِّظاً بصيراً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت