فهرس الكتاب

الصفحة 10700 من 19127

لكن أبا علي كان الحارس المستعصي على الأوامر، وكان على عكس ما هو مطلوب منه كسولاً غير نشيط، ولعل كونه في العقد السادس من عمره أورثه هذا الكسل، إضافة إلى أنه كان بديناً مترهل الجسم أصلع الرأس، عيناه غائرتان يغطيهما حاجبان كثيفان وأشفار محمرَّة تساقط أكثر شعرها، ملابسه مجعدة لم تعرف المكواة منذ زمن بعيد، و (( بنطاله ) )له حدبتان في منتصفه من أثر رُكَب أبي علي وكثرة جلوسه.

كان أبو علي قد هيَّأ لنفسه أسباب الراحة فجعل في الكوخ كرسياً خشبياً واسعاً له خشبتان عريضتان يسند إليهما ساعديه إذا جلس، وقد جعل تحته وسادة من قطن يجلس عليها مستريحاً، واتخذ صفيحة زيت فارغة قد شق فيها شقوقاً جاعلاً منها موقداً يملؤها بما يلتقطه من الأخشاب وقطع الأشجار وهو قادم إلى عمله فيتدفَّأ بنارها، وربى كلباً صغيراً يحضره معه كل مساء، فإذا ما جلس على كرسيه وأخذه النوم وراح في شخير عال كان الكلب يطوف حوله أو يجلس بجانب كرسيه يحرسه، فإن رأى الكلب أحداً قادماً عوى فاستيقظ أبو علي وألقى نظرة على القادم ثم عاد إلى نومه.

أكثر من مرَّة وجد أبو عصام أبا علي نائماً ونبهه على خطر نومه على نفسه وعلى البلد، وطلب منه أن يقلع عن النوم وأن يكون أكثر يقظة وانتباهاً. لكن كلمات أبي عصام ونصائحه كانت في واد لم تذهب بالريح ولا بالأوتاد، فقد كان هناك تصميم عند أبي علي على النوم والحجَّة في ذلك: (( النوم سلطان ) ).

ونَفِدَ صبر أبي عصام وهو لا يريد أن يوقع بأبي علي عقوبة فقد يستمرئ العقوبات فيزداد إهمالاً، وربما كانت لديه أسرة كبيرة وأطفال كثيرون فتصيبهم العقوبة بدل أبيهم.

لذلك فكر أبو عصام أن يستعين بغيره في ذلك، فلجأ إلى العجَّان في الفُرن القريب من محرِس أبي علي، وكان تربطه بأبي علي صداقة متينة لعلها نشأت وتوطدت من تجاورهما وجلوسهما معاً يصطليان بنار أبي علي ويرشفان كؤوس الشاي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت