وممَّا يميِّز أستاذنا الفاضلَ ويُعلي مَقامَه: ما يتحلَّى به من جِدِّيةٍ واستقامة، وتحرِّيه العدلَ التامَّ بين طلاَّبه..
وإن أنسَ لا أنسَ ذلك الموقفَ الجريء مع مدير مدرستنا، لقد كان للمدير ابنٌ معَنا في فصلنا، وكان طالبًا عاديًّا، غيرَ متميِّز بجِدٍّ ولا تفوُّق، وكان أبوه يستغلُّ منزلتَه ومنصبَه في دفعه إلى المقدِّمة بالباطل، فكان في بَدء كلِّ اختبار يهمسُ في آذان المدرِّسين والمراقبين؛ يوصيهم بمراعاة ولده، وغَضِّ الطَّرْف عنه، ومساعدته فيما يحتاجُ إليه، ويومَ اختبار اللغة العربية دخلَ كعادته قاعةَ الاختبار، ودنا من أستاذنا يُناجيه، وما هي إلا لحظاتٌ، وإذا بأستاذنا يثور كالبُركان، ويَصيحُ في وجهه على سَمع الجميع: اعلم يا حضرةَ المدير أن ولدَكَ وسائرَ الطلاَّب عندي سواء، لا فرقَ بين طالبٍ وآخرَ، ولا يمكنُ أن أراعيَ ولدَكَ على حساب الآخرين...
ولكُم أن تتصوَّروا حالَ المدير في تلك اللحظات العَصيبة، لقد أسرعَ بالخروج من القاعة لا يَلوي على شيء، متمنِّيًا لو أن الأرضَ بلعَته قبل أن يقفَ هذا الموقفَ المحرج.
وبعدُ، فتلك شذراتٌ برَّاقة من سيرة مُربٍّ أصيل، من المعلِّمين الأَكْفياء المخلصين، الذين طُبعوا على صدق العَطاء، مستشعرين عِظَمَ الأمانة التي نيطَت بهم، وجَلالَ المهنة التي نذَروا لها أعمارهم، وفيهم يقول الشاعر:
أرأيتَ أشرفَ أو أجَلَّ منَ الذي يَبني ويُنشئُ أنفُسًا وعُقولا
وما أحوجَنا اليومَ إلى أمثاله في مَيادين التربية والتعليم، بعد أن كثُرَ فيها الأدعياء، وقلَّ فيها الصُّرَحاء!!