إذا نَظرْتَ إلى اجتهاداتِهم في هذا الأمرِ؛ فَسَتَجِد أنَّ منهم مَن يَرَى أنَّ بداية الإصلاح يَجِب أنْ تَكُون مِن إصلاح العقيدة، وتَعلِيمِ الناسِ أصولَ التَّدَيُّن الصحيح، ومنهم مَن يَرَى أنَّ البداية تَكُون بإصلاح السِّياسة، ومنهم مَن يَنظُر للاقتِصاد على أنَّه مِحَوْرُ الحياة، وأنَّ النُّهُوض به سيُساعِد على النُّهُوض بكُلِّ جوانبِ الحياةِ.
ومِنَ المُصلِحِين مَن يَرَى أنَّ تَرْبية الناس على الفضائل والأخلاق الحَسَنة هي المُنطلَقُ الصحيح، أمَّا المُشتَغِلون بقضايا الفِكْر والتفكير فيَرَوْنَ أنَّ إصلاحَ الأدمِغَة يَجِب أنْ يَسبِق أيَّ إصلاحٍ، وهكذا...
لا شك أنَّ هذا خِلافٌ مَشرُوعٌ ولا شك في أنَّ لكُلِّ فَرِيق أدلتَه ومَنطِقَه، ولهذا فإنَّ مع كُلِّ واحدٍ منهم شيئًا مِن الحق، والذي يُرَجِّح وجهةَ نَظَرٍ على أُخرَى هو حَجمُ القُصُور والانحرافِ المَوْجود في مجال مُعَيَّنٍ وفي بلد معين، مع أنَّ أهلَ العِلْم وكُلَّ مَن أشرْنا إليهم قد يَختَلِفون أيضًا في تقدير الانحراف ووزنِ خُطُورته.
ومع كُلِّ ذلك، فإنَّ اختلافَ مَن يَتوافرُ لديهِمُ العِلْمُ والوَرَعُ يُشكِّل مَصدَرًا لِغِنَى الحياةِ الثقافية، ويُساعِد على تَوفير فضاءٍ للحركة، كمَا يُساعِد على رَفْع الحَرَج عَن كَثير مِنَ الناس.