إنَّ الشريعة التي جاء بها مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - هي خاتَمةُ الشرائع، وهذا يَعنِي أنَّ الناس سَيَجِدون فيها ما يُرشِدهم ويَهدِيهم إلى الطريق القويم، وما يُساعِدهم على إعمار الأرضِ، وتنميةِ الحياة مِن غيْر عَسْفٍ ولا حَرَجٍ، وسَتَجِد ما يُثير الإعجابَ والدَّهشةَ حين تُطالِع في الإحالة على الواقِع وتنزيلِ الأحْكام عليه - وهو ما سَمَّاه الأصولِيُّون بـ (تحقيق المَنَاط) -؛ حيث تَرَى ما تُوَفِّره الشريعةُ الغرَّاء لأهل العِلْم والاختصاص مِن دور حيويٍّ وجوهريٍّ في فَهْم الظروف، وتقدير المخاطر، ورؤية إمكانات النجاح، وما يَترَتب على كُلِّ ذلك مِن اجتهاداتٍ تُواكِب حركةَ المُجتمَع الإسلاميِّ وتحل مُشكِلاتِه. ويَتجَلَّى هذا واضحًا بشكلٍ كبيرٍ في المجال الدَّعوِيِّ والإصلاحيِّ، وعلى سبيل المِثَال: فإنَّ النَّهْيَ عَن مُنكَرٍ مِن المُنكَراتِ مَشروطٌ بألاَّ يُؤدِّيَ إلى وُقُوع مُنكَرٍ أكبرَ؛ فإذا كان النَّهْيُ عَن تَرْك صلاة الجَمَاعة، أو عَن شُرْب الخمر، أو لَعِبِ المَيْسر مثلًا سيُؤدِّي إلى إزهاق الأنْفُس؛ وَجَبَ على المُحتَسِب التَّوَقُّفُ والكَفُّ عَن ذلك النَّهْيِ، والذي يُقَدِّر حجمَ الضَّرَرِ أوِ المُنكَرِ المُتَوَقَّعِ هُمُ الدُّعاةُ والمُصلِحون أنفُسُهم.
مِثالٌ آخرُ: المُسلِمون في الغَرْب، الذِينَ يَعِيشون هناك بوَصفِهم أقلياتٍ دينيةً وعِرْقِيَّة، أولئك المُسلِمون مُطالَبون بأنْ يُقِيموا مِن حُكْم اللهِ في تلك البلادِ ما يَستطِيعونَه، ووَفْقَ الأدواتِ المُتاحة. وأيُّ نظرةٍ مُتفحِصة لِواقِعهم تَنتَهي إلى أنَّ استخدام العنف مِن قِبَلِهم مِن أجْل الوصول إلى السُّلطة، أو فَرْضِ بعضِ التشريعاتِ الإسلامية سوف يَكُون بَالِغَ الضَّرَرِ عليهم، وسوف يُسِيء إليهم وإلى الإسلام، كمَا أنَّه لَن يُحقِّقَ أيَّ شيءٍ ممَّا يُريدُون.