قال بعض الظرفاء: في الفراق مصافحة التسليم، ورجاء الأَوبة، والسلامة من الملل، وعمارة القلب بالشوق، والأنس بالمكاتبة!
وكتب أبو عبد الله الزنجي الكاتب: جزى الله الفراق عنا خيراً! فإنما هو زفرة وعبرة، ثم اعتصام وتوكل، ثم تأميل وتوقع.. وقبح الله التلاقي! فإنما هو مَسرة لحظة، ومساءة أيام، وابتهاج ساعة، واكتئاب زمان.
وكتب أحمد بن سعد: إني لأكره الاجتماع؛ محاذرة الفراق، وقصر السرور. ومع الفراق غُمةٌ يخفيها توقُّعُ إسعاف النوى، وتأميل الأوبة والرُّجْعى.
ويقول في تحسين أمر البنات:
دخل عمرو بن العاص يوماً على معاوية، وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين?
فقال: هذه تفاحة القلب!
فقال: انبذها عنك!
قال: ولم?
قال: لأنهن يلدن الأعداء، ويقربن البُعَداء، ويُوَرِّثن الضغائن!
قال: لا تقل ذلك يا أبا عبد الله، فوالله ما مرَّض المرضى، ولا ندب الموتى [2] ، ولا أعان على الأحزان مثلهن، وإنك لواجد خالاً قد نفعه بنو أخته.
فقال: يا أمير المؤمنين قد حبَّبتَهن إليّ.
وكتب أحدهم في التهنئة بابنة: ...فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها،... والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البَرِية، وفيها كثرت الذُّرِّية، والسماء مؤنثة، وقد زُيِّنت بالكواكب، وحُليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة، وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة، وبها وعد المتقون، وفيها يتنعم المرسلون.
ويقول -رحمه الله- في باب ذكر المقابح:
تقبيح الخط والقلم:
نظر المأمون يوماً في خط أحمد بن يوسف، وهو يكتب بين يديه، فقال وهو يتنفس الصعداء: يا أحمد، أود لو أن خطك لي بنصف ملكي!
فقال: يا أمير المؤمنين، لو أن في الخط فضيلة؛ لما حرمه الله أعز خلقه، وأجل رسله، محمداً، صلى الله عليه وسلم!
فقال: قد سَلَّيتني مما كنت أجد يا أحمد!
ويقول في تقبيح الأصدقاء والإخوان:
كان عمرو بن العاص يقول: من كَثُر إخوانه؛ كثر غرماؤه!