والحال كذلك في"باب المحاسن"؛ فهو يذكر فصولاً في تحسين الكذب، والوقاحة، والذنوب، والمرض، والموت، والجبن، وسواد اللون، والسجن.. ولو ذهبنا لكلامه؛ لوجدناه لا يحسِّن الكذب ذاتَه، وإنما يحسن المواضع الثلاثة التي أجازت الشريعة فيها الكذب، وهي الحرب، والصلح، وملاطفة الزوجة، ولا يعني بتحسين الوقاحة إلا المعنى المقابل للخجل والحياء الزائد، كما أنه لا يشيد إلا بآثار الذنوب ،من الندم والتوبة والانكسار لله -عز وجل- ولا يحسن الذنوب نفسها..
إلا أنه -رحمه الله- قد يُغْرِب في البابين جميعاً -أعني: باب ذكر المحاسن، وباب ذكر المقابح- ويأتي بالمعاني التي تدور في خواطر الناس، فيحومون حولها، ويرفرفون عليها، ولا يتوصلون إليها، فيجيء هو فيفصح عنها، ويوشِّحها بنكت الشعراء وألفاظ الحكماء، فما تظنه سيقول في تحسين الملل؟! أو تحسين الحقد؟! بل والأغرب من ذلك ما ذكره في تقبيح المطر، وتقبيح القمر!! إنك -أيها القارئ الكريم- لفي طرب مرة، وفي عجب مرات، من اختيار هذا الأديب اللغوي الشاعر! وحُقَّ لك ذلك؛ فاختيارُ المرء قطعةٌ من عقله تدل على تخلقه وفضله.
وها أنذا أقتطف لك -أيها القارئ الكريم- طائفة يسيرة من زهور بستانه، تُغريك بالكتاب، ولا تُغنيك عنه، وما تركت أظرف مما ذكرت.
يقول -رحمه الله- في باب ذكر المحاسن:
تحسين الدَّيْن:
دخل عمرو بن عتبة يوماً على خالد بن عبد الله القسري، فقال خالد: إن ها هنا رجالاً إذا خفت أموالهم؛ عوّلوا على الدَّين، وأخذوا في الاستدانة! فقال عتبة: إن رجالاً تكون أموالهم أكثر من مروءاتهم؛ فلا يدانون، ورجالاً لا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم؛ فيدانون، على سعة ما عند الله.
ويقول في تحسين العمى:
قيل لقتادة: ما بال العميان أذكى وأكيَس من البُصَراء؟
فقال: لأن أبصارهم تحولت إلى قلوبهم.