وهذا الكتاب أهداه الثعالبي -كعادة كثير من الأدباء في ذلك العصر- إلى أحد فضلاء خراسان، وهو الشيخ السيد أبو الحسن محمد بن عيسى الكرجي، وهو الذي أهدى إليه -أيضاً- (تتمة اليتيمة) .
ويرى الثعالبي أنه ما سُبِقَ إلى تأليف مثله في طرائف المؤلفات وبدائع المصنفات، ولعله يقصد بالسبق -هنا- جمع هذه المعاني بين دَفَّتي كتاب؛ وإلا فالمعاني التي ذكرها دائرةٌ قبله على ألسنة كثير من الحكماء والعلماء.
ثم يصف الثعالبي كتابه بقوله:"أودعته لمعاً من غرر البلغاء، ونكت الشعراء، في تحسين القبيح وتقبيح الحسن، إذ هما غايتا البراعة، والقدرة على جزل الكلام في سر البلاغة، وسحر الصناعة".
وإياك أن يهجم على عقلك -أخي القارئ- أن المؤلف يقصد بالبلاغة -هنا- ما هو متداول عند بعض من امتلكوا أَزِمَّةَ الكلام، وأوتوا بسطة في اللسان؛ من القدرة على قلب الحق إلى باطل، ومدح الشيء ونقيضه، والاستطالة بالذكاء، واللعب بنواصي الكلام؛ للتاثير في النفوس ! كلا..! إنما هو يريد بالبلاغة البيانَ الصادق الذي أعجز به القرآنُ الكريمُ العربَ قاطبة، وأوتيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي مطابَقة الكلام لواقع الحال. وهذا هو الذي يظهر من سياقات الكتاب لمن تأمل ذلك، فهو لا يُقبِّح أو يحسِّن الأمور لذاتها، وإنما يقبح ويحسن أفعال الناس لها؛ ففي كل أمر يفعله الناس؛ يعتورهم مَزلَقان: إما إفراط، وإما تفريط، وهذان المزلقان هما ما يذمه الثعالبي، رحمه الله.
فيذكر -مثلاً- في"باب المقابح": تقبيح العلم، والشجاعة، والأدب، والغنى، والحلم، والصبر.. في قائمة تصل إلى ثلاثين خصلة مما يمدحها الناس، ثم إذا أتينا على حقيقة ما قَبَّح؛ وجدناه لا يقبح سوى العلم الذي لا يثمر عملاً، والشجاعة المتهورة التي لا تجني إلا ندماً، والأدب الذي يشغل قلب صاحبه وعقله عن تدبير شؤونه، والغِنى الذي يورث البَطَر، والحِلم الذي يجرِّئ السفهاء ويصل إلى حد الخُمول..