{لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] روى مالكٌ في المُوَطَّأِ بلاغًا عن بعض أهل العلم أنَّ رسولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ فكأنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أن لا يبلغوا من العمل مِثْلَ ما بلغ غيرُهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر [8] ، والمقصود أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهذه الخيرية في عملها؛ أي: صيامها وقيامها؛ كما قاله مجاهد وغيره [9] .
وألفُ شهر تزيد في الحساب على ثلاث وثمانين سنة؛ أي: فوق متوسط أعمار هذه الأمة، فإذا كان كذلك فكيف يفرط العباد فيها وفي التماسها والعبادة فيها؟! من أحياها سنة فكأنه +عبد الله نيِّفًا وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعمارًا كثيرة [10] ؛ حتى إنَّ عمره في العبادة يكون أكثر من عمره في الحياة بأضعاف مضاعفة. تأمَّلوا هذا الفَضْلَ العظيم من الله - تعالى - ثم انظروا إلى التفريط الكبير من بني آدم.
ومن أجلِّ فضلها وثوابها صحَّ عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (( أنَّ مَنْ قامَها إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) )؛ متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- [11] ·
فالمغبون من حُرِمَ خَيْرَها فَضَيَّعَهَا وقضاها فيما لا ينفع. يا تُرَى كم سَتَبْلُغُ خسارةُ مَنْ قضاها في مَعْصِيَةِ الله - سُبحانه - لاسيَّما إذا +عَلِم أنَّ بعض المفسرين ذكروا أن الذنب يضاعف فيها؛ كما يضاعف الثواب، وأن المعصية فيها؛ كالمعصية في ألف شهر [12] .
{تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4] ومن كثرة تنزل الملائكة فيها تضيق الأرض بهم حتى قيل:"سميت ليلة القدر من الضيق، لضيق الأرض بالملائكة" [13] ·