تثبت هذه السورة إنزال القرآن، وترفع شأن الوقت الذي أنزل فيه، وتخبر عن نزول الملائكة في ليلة إنزاله، وتقضي بتفضيل الليلة التي توافق ليلة إنزاله من كل عام [2] .
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر: 1] أنزل فيها جُملةً منَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيَا، وأوَّلُ آياتٍ نزلتْ على مُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلم - كانت فيها [3] · قال الشعبي:"ابتدأ بإنزاله ليلة القدر؛ لأنَّ البعث كان في رمضان" [4] ·
وكون أوَّلِ نزولٍ للقرآن في الليل دُونَ النَّهارِ مُشعِرٌ بِفَضْلِ اختصاصِ اللَّيْلِ، وقد جاء لهذا الفَضْلِ مايدل عليه" {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] ، {فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً} [الإسراء: 79] ، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] ، {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 6] ، ولما امتدح الله - تعالى - الصالحين أخبر أنهم: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] [5] · ودلت السنة على أن ربنا - تعالى - ينزل ثلث الليل الآخر فيستجيب دعاء الداعين، ويغفر للمستغفرين، ويعطي السائلين."
وهذا يدل على أنَّ الليل أخصُّ بالنفحات الإلهية، وبتجليات الرب - سبحانه - لعباده؛ وذلك لخلوِّ القلب، وانقطاع الشواغل، وسكونُ الليل ورهبتُه أقوى على استحضار القلب وصفائه [6] .
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ} [القدر: 2] كلمة تُقَال في تفخيم الشيء وتعظيمه، والمعنى: أيُّ شيء يعرفك ما هي ليلةُ القدر؛ أي: يعسر على شيء أن يعرفك مقدارها، وأعيد اسم:"ليلة القدر"مرة أخرى تصريحًا بتعظيمها كما حصل كناية؛ حيث اختار الله إنزال القرآن فيها ليتطابق الشرفان: شرفُ إنزال القرآن؛ وشرفُ الزمان [7] .