وفي المقابل يجب على المسلم ألا يَحْتَقِرَ قليل الشر؛ كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام: (( إياكم ومحقَّرات الذنوب؛ فإنَّما مُحَقَّرات الذنوب؛ كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن مُحقَّرات الذنوب متى يؤخذْ بها صاحبُها تهلكه ) )؛ أخرجه الإمام أحمد [19] ·
لقد فهم الصحابة - رضي الله عنهم - هذا المعنى الجليل الدقيق، فها هي أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - يستطعمها مسكين وبين يديها عنب فقالت لإنسان:"خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت عائشة: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة" [20] ·
قال ابن عبدالبر:"قد جاء مثل ذلك عن عبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ومن اعتاد الصدقة تصدَّق مرَّة بالكثير، ومرَّة باليسير" [21] ·
وعن سعد بن مالك - رضي الله عنه - أن سائلا أتاه وبين يديه طبق عليه تمر فأعطاه تمرة فقبض السائل يده، فقال سعدٌ:"ويحك تقبَّل الله منا مثقال الذرة والخردلة، وكم في هذه من مثاقيل الذر" [22] ·
وبهذا يُعْلَمُ ـ أيها الأخوة ـ أن قليل الخير لا يحتقر؛ كما أن قليل الشر لا يحتقر؛ فقليل مع قليل يصبح كثيرًا
اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، والحمد لله رب العالمين.
[1] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (9/429) .
[2] تفسير أبي السعود (6/91) ، ومحاسن التأويل للقَاسِمِي (5/186) .