إنَّ هذه السورة وُصفت بأنها الجامعة؛ لأنها حَوَتْ آيتين جمعتا عمل الثقلين من خير وشر؛ ولذلك لما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقسام الخيل، وأنها لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر وبيّن كيف ذلك، سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الحُمر فقال: (( لم ينزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [ القدر: 7-8] ) )؛ متفق عليه [13] ، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه:"هذه أحكم آية في القرآن" [14] ، ونقلوا عن كعب الأحبار أنه قال:"لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [15] ، ولما قَدِمَ عَمُّ الفَرَزْدَق صعصعة بن معاوية المدينة سمع: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} قال:"حسبي لا أبالي أن لا أسمع غير هذا"؛ أخرجه أحمد [16] ·"
إنَّ هذه السورة الشاملة الجامعة ترشد المسلم إلى الخير، وتحذره من الشر مهما كان قليلاً، فالقليل مع القليل يصبح كثيرًا، حتى الذرة لها وزنها عند رب العالمين، فأيُّ دين علّم أتباعه هذه المعاني العظيمة، وربّاهم على هذه الدقة المتناهية؟! وجاءت أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤكدة لهذا المعنى الدقيق، يقول - عليه الصلاة والسلام: (( لا تحقِرَنَّ مِنَ المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وَلَوْ أَنْ تُكَلِّمَ أخاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ ) )؛ أخرجه أحمد [17] ، وفي الصحيحين قال النَّبِيُّ - عليه الصلاة والسلام: (( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ولو بكلمة طيبة ) ) [18] ·