وأما تفرد الصدوق ففيه اختلاف، فبعض النقاد كأبي حاتم الرازي فيما ظهر لي من تصرفاته أن الأصل عنده - غالباً - عدم الاحتجاج بتفرد الصدوق إلا إذا ترجح له أنه تفرد محتمل، وقد سبق أن نقلنا العديد من النصوص التي يقول فيها: (صدوق ولا يحتج به) ، لا بأس به ولا يحتج به... الخ.
النقاد - الذين وقفت على كلام لهم - يبدو أن الأصل عندهم قبول تفرد الصدوق إلا إذا ثبت أنه تفرد بما لا يحتمل لمثله.
وأما المتأخرون وبعض المتقدمين فيقبلون تفرد الصدوق مطلقاً إلا إذا خالف من هو أولى منه.
فمسألة تفرد الصدوق هل يقبل أم يتوقف فيه خلافية حتى عند المتقدمين، وخير مثال على ذلك موقف بعض كبار النقاد من تفرد محمد بن إسحاق، فقد صرَّح الإمام أحمد بن حنبل [11] والإمام يحيى بن معين [12] والإمام أبو زرعة الرازي [13] بعدم الاحتجاج بما يتفرد به في الأحكام والفرائض، وأما علي بن المديني [14] والبخاري [15] فقبلوه.
ومثال آخر: قال ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة عن حديث خالد بن سلمة عن البهي عن عروة عن عائشة قالت:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) .
فقال: ليس بذاك، هو حديث لا يروى إلا من هذا الوجه.
فذكرتُ قول أبي زرعة لأبي رحمه الله فقال: الذي أرى أن يذكر الله على كل حال على الكنيف وغيره على هذا الحديث) [16] .
فرده أبو زرعة للتفرد، وقبله أبو حاتم لأنه محتمل عنده، وقد صححه البخاري خارج صحيحه [17] ، وصححه أيضاً الإمام مسلم [18] ، فهذا مثال واضح في اختلاف المتقدمين.
وفيما سبق من نصوص القطان وقع خلاف من المتقدمين في ذلك كحديث: (عرفة كلها موقف) ، وكذلك في نصوص الإمام أحمد كحديث صلاة الاستخارة استنكره أحمد وقبله البخاري إلى غير ذلك من أمثلة عديدة تدل أنها مسألة خلافية في جانبها التطبيقي على وجه الخصوص.
وأما الراجح في شأن تفرد الصدوق، فهو قبوله حين يكون محتملاً، والتوقف فيه حين يكون غير محتمل، ورده حين يخالف.