فهرس الكتاب

الصفحة 9850 من 19127

ويقول ابن القيم في الرد على من لم يحتج بتفرد الثقة: (إن هذا القول لا يمكن أحداً من أهل العلم ولا من الأئمة، ولا من أتباعهم طَرْده، ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم) [3] . وهذا صحيح بلا أدنى ريب.

ويقول الذهبي: (الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسُنة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه؟! وكذلك التابعون، كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم) [4] .

ويقول أيضاً: (هكذا سائر الثقات ينفردون) [5] .

وما قاله الذهبي صحيح، لأن الحفاظ المكثرين المعروفين بسعة مروياتهم تقع التفردات في أحاديثهم خاصة قبل انتشار التدوين انتشاراً عاماً، ومثالاً على ذلك قول الإمام علي بن المديني الذي يقول فيه: (نظرنا فإذا يحيى بن سعيد - الأنصاري - يروي عن سعيد بن المسيب ما ليس يروي أحد مثلها، ونظرنا فإذا الزهري يروي عن سعيد بن المسيب شيئاً لم يروه أحد، ونظرنا فإذا قتادة يروي عن سعيد بن المسيب شيئاً لم يروه أحد) [6] .

وكل هؤلاء الثلاثة من كبار الحفاظ.

وقال الإمام أحمد: (حَدَّث عبدالرزاق عن معمر أحاديث لم يسمعها ابن المبارك، وحَدَّث ابن المبارك أيضاً بشيء لم يسمعه عبدالرزاق) [7] .

وقال عبدالرزاق لعلي بن المديني حين ودعه: (إذا ورد حديث عني لا تعرفه فلا تنكر، فإنه ربما لم أحدثك به) [8] .

وقال علي بن المديني: (ولا ينكر لرجلٍ سمع من رجلٍ ألفاً أو ألفين أن يجيء بحديث غريب) [9] .

ولما أنكر الناس حديثاً لابن جريج عن الحسن البصري قال: (ما ينكرون عليَّ فيه؟! لزمت عطاء عشرين سنة ربما حدثني عنه الرجل بالشيء الذي لم أسمعه منه) [10] .

فقبول تفرد الثقة الضابط هو المتعين لما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت