وإما بانتقال النظر كما حدث للإمام علي بن المديني في حديث أنكره عليه شيخه عبدالرحمن بن مهدي، فلما رجع إلى بيته كما يقول: (نظرتُ فإذا قبله حديث في هذه المسألة، وبعده: عبدالمؤمن رأيتُ سعيداً يتكلم في الطواف) وكان وهمه أنه قال: (رأيت سعيداً يشرب في الطواف) والصواب يتكلم [54] .
وإما أن يحدث من كتب غيره فيخطئ بسبب ذلك [55] ، وإما أن يقرأ في كتابٍ لم يسمعه فيعلق بقلبه ما ليس من حديثه [56] ، وإما أن تشتبه عليه كتبه وتختلط فلا يميز ما سمعه من ذلك الشيخ عن ما سمعه من آخر، كما وقع لأبي اليمان الحكم بن نافع أحد الثقات؛ فقد روى حديثاً أنكره عليه النقاد، وأبان الإمام أحمد عن كيفية وقوعه في الخطأ حيث قال: (كان كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصقاً بكتاب الزهري) [57] ، وقال أبو اليمان: (الحديث حديث الزهري والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها) [58] .
وأحياناً يكون الخطأ برفع المتن الموقوف على صحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأحياناً يكون الخطأ بسبب بُعد الراوي عن مكان الشيخ أثناء السماع، كما حدث ليزيد بن هارون في إسناد أخطأ فيه من حديث شعبة، وقال مبيناً سبب خطئه: (لقد سمعته من شعبة ببغداد، وكنتُ في آخر الناس، وأنا أشك فيه منذ سمعته) [59] .
ومداخل الوهم كثيرة جداً يصعب حصرها، ويخشى على الصدوق إذا تفرد بما لا يُحتمل أن يكون وقع في شيء من ذلك، لا سيما مع وجود الأخطاء في مروياته، فكيف إذا كان معتمداً على حفظه وليس له كتاب، والحفظ خوَّان كما يقال ؟!
والتفرد مشعر باحتمال وجود خطأ، بدليل أن الإمام مالكاً - وهو من كبار المتقنين - لما قيل له في حديث تفرد به: (لا يرويه غيرك. فقال: لو علمتُ هذا ما حدثت به) [60] .
ومن ذلك قول أحد الرواة بعد أن روى حديثاً قال: (هذا خطأ، ولم أر أحداً تابعني عليه) [61] .